قبل المراجعة
اللغوية
ارتجف
و انا اقف بفستاني الابيض الذي دنسه الدم
النابع من جرح ذراعي الأيمن. أنظر في
المرآة البيضاوية المزينة بثاني لون مفضل
لي بعد الأسود، الذهبي. قدماي تحاول أن تظل ثابتة على ارض الحمام
الرخامية الباردة مثل جسدي الآن، على عكس الطلاء الأحمر باظافري الذي يشع بالحياة
على جسد ميت. اشبك يدي ببعض مثلما افعل دوما عندما اشعر بأنني مهددة أو
خائفة، لكي أطمئن نفسي واشعر بالامان.
لكنني لم أشعر بهذا الشعور المروع من قبل.
فأنا وحدي الآن، في بلد اخر، و لا يوجد سواي ل يحتوي روحي التي تتأجج بداخلي. منذ طفولتي و انا اشعر بالوحدة كوني
الطفله الوحيده، و عندما كبرت كنت دوما أشعر بالاختلاف و انني لا اعرف أين أنتمي
او لمن. لكن الوحده الآن ليست فقط مقتصرة على مجرد احساسي. فأنا لست بمنزلي في
الزمالك الذي نادرا ما يكون الجو به برد للدرجة التي اشعر بها الان. لا ادري اذا
كان الجو دافئ فعلا ببيتي ام ان كان منبع الدفئ هو أمي و حنانها الذي لا مثيل له.
فلطالما كنت أحسد على رقه و جمال روحها، فكانت امي دائما تقول لي " الام ام
لكل الناس، مش لولادها بس ". كم اشتاق اليها الان، كم اود ان اشعر بذراعيها
حولي
ليحموني من
افكاري، و منه.
فجأة
انقطع حبل افكاري و ذكرياتي بانكسار المرآة و تفتتها حولي كأن زلزال حدث ليهدف
المرآة فقط. لم افهم ماذا حدث لتنكسر. كأن
لم يكفي ما حدث لي ليلة أمس، فالكون مازال يريدني ان ارتعب اكثر، لكنه لم يقدر ان
لا يوجد لدي طاقة لاحتمل صدمه اخرى هذه المرة. نظرت حولي كرد فعل تلقائي، و فجآه
شعرت بشخص يقف خلفي مباشرة. لم اجرؤ على الالتفات، فثبت مكاني. دعوت أن تكون هذه
تهيؤات. كنت اكاد ان افقد الوعي، شعرت
بدماءي وهي تتجمد بكل جزء في جسدي، وانا علي وشك ان عيناي تنغلق و جسدي يستسلم،
سمعت صوتها.
-
ليلي، وحشتيني.
اخترق
قلبي صوتها كالرصاصة التي غرضها احياءي و ليس قتلي. شعرت بالدماء و هي تجري في
عروقي من جديد. التفتت اليها اخيرا، عيناي توسعت لتحاول استيعاب رؤيتها. فأنا في
حالة ترقب و صدمه، مثل من يقف امام القطار المنتظر انقاذه لانه لا يستطيع ان يتحرك
. فمي مفتوح من الصدمه. شعرت بشعري الطويل
و هو يلمس الجرح بذراعي لسرعة حركتي و انا التفت لاراها. مما اثبت لي انني لست في
كابوس، فمازلت أشعر بحواسي.
-
لانا! ازاي؟ انتي ازاي هنا؟
-
عرفت انك محتاجني.
لا
اصدق ما اسمعه. كيف لها ان ترد بهذه البساطة و السلاسه بهذا الموقف، و كانها ليست
بوعيها أو تحت تأثير مخدر ما، مما يليق بها. قالتها و هي تلف عينيها كعادتها مما
كان دوما يعطيني احساس انها غير مهتمه بأي شئ اقوله. لم اتخيل يوما انني سافتقد
هذه النظره. لم اكن اتخيل أني سأراها بنفس وشاحها الأحمر كان لم تمر عشر سنين على
فراقنا. ملامحها لم تتغير، لكن شفافها كبرت بشكل ملحوظ لا يمكن تجاهله. أتذكر كم
كانت مهووسة بعمليات التجميل و الفنانات العربيات علي عكس حبي انا ل " blake lively " و هوسي بها بمسلسلي المفضل انا و فرح
" gossip
girl
" االتي كانت دائما تنتقده كما تنتقد فرح . علاقتي بها كانت منغلقة علينا
فقط، لاختلافها عن جميع من حولي، حتى اهلي. الاختلاف لم يكن فقط مادي، ولكنه كان
أخلاقيا و اجتماعيا ايضا. تأملت شعرها
المجعد الأصفر الذي يخفي ظهرها الذي كانت دوما تحب إظهاره بارتدائها الملابس
المفتوحه، لكن من الواضح انها الان تلبس المفتوح من عند منطقة الصدر بما انها لا
تستطيع إبراز ظهرها الآن بسبب شعرها. نظرت الى يدها المرتخية المليئة بالخواتم
المزيفه بجانبها مثل وجهها الذي مهما حدث لا يظهر عليه أي معالم تدل على ما تشعر
به. حاولت بقصارى جهدي ألا اسرح بتفاصيلها، لكنني فشلت. افتقدتها، بكل ما فيها من
عيوب. لكنني ما زلت اريد ان افهم ماذا يحدث و كيف اتت، فاشتياقي لها لم يكن كافي
ليجيبني على اسئلتي.
-
فهميني دخلتي ازاي؟ ايه اللي كسر
المرايا؟ جيتي لبنان امتي وعرفتي مكانى ازاى؟
-
كفايه اسئلتك الكتيره دي يا ليلي، مش
وقتها اصلا. احمدي ربنا اني جتلك. لمى
حجتك و تعاليلي انا هستناكي في المطعم اللي في المول اللي جنبك.
ذهبت
في لمح البصر. لم تعطني الفرصة لأفهم، تقرر لى ماذا افعل وكيف لابد ان افكر مثل
عادتها، حتى وأنا في هذه الحالة. كم
تستفزني ثقتها بنفسها، و تهورها, و عدم مراعاتها لعواقب أي فعل يصدر منها، علي
عكسي . لطالما كنا مختلفين في كل شئ، لكن هذا ما جعلنا نصدق اننا نكمل بعض. ذهبت و كأنه من الطبيعي ان تأتي وقت ما تشاء
وتذهب وقت ما تشاء. اغلقت باب غرفة الفندق بقوه و كأنها باب منزلها. لكن للأسف أنا و هي نعلم جيدا انني اسمع كلامها
و سافعل ماذا تامرني به، خصيصا و انا بهذا الموقف. خبراتها الحياتية كفيلة بأن تجعلني أمشي خلفها
بدون تفكير.
غريبه
لانا، لا ادري كيف تفعل ذلك، كيف تظهر لمدة دقائق معدودة و لا تقل الكثير لكن
وجودها كافي ليمدني بالطاقة من جديد. حتي و ان كانت هذه الطاقة سلبية، فكنت فعلا
بحاجه إليها. لم استطع التحرك بسرعتها، وقفت مكاني و نظرت للجزء الصغير المتبقي من
المرآة على الحائط، ل استجمع قواي.
-
انتي كويسه.
ظللت
اقولها و اكررها لنفسي في نفس الوقت الذي تختنق به أنفي من رائحة الدم الجاف
اللاصق بذراعي من تلك الليله المشؤومه، النزيف توقف من الجرح لكنه لم و لن يقف من
قلبي المكسور. اتفحص ذراعي وانا ارتعش و اتذكر كل أحلامي و طموحاتي ان اكافئ
بالقبلات و اللمسات الرقيقة التي تلمس جسدي و روحي. كنت دائما احاول ان اقلل من
توقعاتي حتى لا انصدم بالواقع. فقررت ان قبله حنونه كافيه لتداوي كل العذاب الذي
مررت به لأصل لهذه اللحظه. كم كنت غبيه
لاعتقد ان الليالي المريرة التي عاصرتها بحياتي كانت الأسوأ على الإطلاق، لم اكن
اتخيل انني سامر بليله تغمرها الدم الممزوج بالخوف من المستقبل الغامض. كم اتمنى
ان اشم رائحه شمعتي المفضلة بالفانيليا او
جوز الهند. فهذه الشموع كانت دوما علامة من علامات غرفتي لكونها دائما موجوده
بالكومود المجاور لسريري. لم يفهم أحد
قيمه الشموع بالنسبة لي و كم كانت هذه الروائح
تريحني و تساعدني على النوم الذي انحرم منه معظم الأيام بسبب تفكيري الزائد
و تحليلي لكل شئ حدث في اليوم
مسكت
المنشفه الذي يكتب عليها اسم الفندق لامسح الدم بينما عيناي تدقق و تحلل تفاصيل
شكلي بفستان الفرح الذي لم يكن باختياري، حاله كحال كل شئ في حياتي. تذرف عيناي
بالدموع وأنا اتذكر كل صور العرائس التي كنت اقطعها من المجلات و أنا طفله أحلم
باليوم الذي سأرتدي به الفستان الابيض، و كل الصور التي احتفظت بها على هاتفي عبر
تطبيق " pinterest " التي عرفتني به فرح، صديقتي التي انعتها باختي بكل فيها من معاني و لست
فقط لظهر حبي لها. حتي و ان ظللنا لا نري بعض لمده شهر. فأنا جزء منها و هي جزء
مني. لم اكن اتوقع ابدا ان فستاني سيكون
ملوث بالدماء النابعة من جسدي أنا، من داخلي أنا. كم اود ان اكون بشرفه غرفتي
المطلة على نادي الجزيرة و اشاهد الخيل بتمعن و تحديدا الحصان البني الداكن الذي
اسميته " شوكو " مثل عادتي كل
صباح، فهذه كانت بمثابة جرعة الامل التي تساعدني لاجتياز يومي.
استمريت
على مسح الدم بينما اذني تحاول أن تطمئني بصوت الهدوء الذي يعم أرجاء الغرفة من
حولي، لكن الصوره في ذاكرتي ثابته علي
مشهد التحطيم و صوت الصراخ المتكررة بذهني من ليلة أمس. احاول و لكنني لا استطيع
محي هذه الأصوات اللعينة مهما حاولت. صوته ما زال في أذني، كم اكره هذا الصوت. كم
يذكرني بخيبة الأمل التي كنت طالما أحاول الابتعاد عنها. كل من يراني يصفني
بالمثالية لتمسكي العظيم بالقيم و المبادئ و عدم كسري لاي قواعد و الابتعاد عن
اذيه غيري او نفسي. قاموسي لا يحتوي على كلمة " مغامرات "، فأنا أفعل ما
يطلب مني او ما اراه صحيح وخالي من المفاجآت أوالصدمات . لطالما كان هذا الفندق المفضل لي بلنان، كنت
اشعر بالراحه لوسع الاجنحه به، لم أتخيل أنه سيضيق على كالقبر. أحاول تخيل
صوت " زيزو و لولي " ، عصافير
امي، او بمعني اصح، كانوا جزء من العائله الصغيره التي نقصت فرد منذ أن انفصلت امي
عن ابي.
خلعت
الفستان المشؤوم ثم يدي قررت ان تتحسس اخر
جزء سليم بالمرأة، في محاولة فاشلة منها لتثبت ان كل ما اشعر به و اراه هو مجرد
كابوس. عسي ان افيق منه وانا في سريري بمصر مرتدية بيجامتي الحريرية السوداء و لا
أفكر بشيء سوى الطقم الذي سأرتديه و انا ذاهبة لشغلي بالمحاسبة الذي لطالما كنت امقته
و أشعر بالضجر تجاهه. حتي و ان من حولي
كانوا يظنون انني فقط اتظاهر انني لا احبه، كنت دائما ارى في عيونهم استهزاء
بشكواي. شغلي كان حلم لبعض من الناس؛ ان يشتغلون مديرون محاسبه في
شركه اباهم الذي ستكون لهم في المستقبل.، لكنه لم يكن حلمي. اتعجب من اشتياقي الي شغلي، لا اصدق لهفتي لكل تفاصيل العمل المملة. كم هي
غريبة تلك الحياة، فعند المصائب دائما نشتاق لكل ما ظننا يوما اننا لا نحبه.
فالروتين يطمآنا و نهرب فيه من مخاوفنا. كم اشتاق لحياتي الممله الآن كي أشعر
بالأمان.
استجمعت
بعض القوه لتحملني لألملم ملابسي القليلة
التي أخرجتها من الحقيبة المليئة بالأبيض و الألوان على عكس عادتي. بدأت ان اتحرك اسرع لاهرب من هذه الغرفة التي شاهدت معي أسوأ ليلة
حدثت لي، خائفه من ان ياتي الي و يلحق بي قبل ان اهرب.
ارتديت
فستان مزين بالورود كمن تحب الحياة، على عكس شعوري الآن. لملمت شعري ذيل حصان، مثل
عادتي. لم أعثر على أي حذاء سوي بكعب عالي. كم وددت ان يكون معي حذاء رياضي في هذه
اللحظة لاتحرك و اهرب في صمت دون ان يلحقني او يراني احد. كم كنت انتقد الفتيات الذين يرتدون الاحذية
الرياضية و هم غير ذاهبين لممارسة الرياضة. كم وددت ان اكون مثلهن في هذه اللحظة و
فهمت قيمة هذه الأحذية. أخذت هاتفي و محفظتي و نظرت للغرفة نظره اخيره لا تاكد
انني لم انسى شئ. الغرفه جميله، علي عكس ما حدث بها من قبح. هبطت دموعي للمرة
الثانية. اغلقت الباب بصوت خافت، و ذهبت
باتجاه الاسانسير، انتظرته حتى اتي و انفتح الباب.
-
علي، صباح الخير.
بعد المراجعة
اللغوية
أرتجف وأنا أقف بفستاني الأبيض الذي
دنَّسه الدم النابع من جرح ذراعي الأيمن، أنظر في المرآة البيضاوية المزينة بثاني
لون مفضل لي بعد الأسود؛ الذهبي، وقدماي تحاول أن تظل ثابتة على أرضية الحمام
الرخامية الباردة مثل جسدي الآن، على عكس الطلاء الأحمر بأظافري الذي يشع بالحياة
على جسد ميت.
أُشبِّك يداي ببعضهما البعض مثلما أفعل
دومًا عندما أشعر بأنني مهددة أو خائفة، ولكي أطمئن نفسي وأشعر بالأمان، لكنني لم
أشعر بهذا الإحساس المروع من قبل، فأنا وحيدة الآن، في بلد آخر، ولا يوجد سواي
ليحتوي روحي التي تتأجج بداخلي، فمنذ طفولتي وأنا أشعر بالوحدة؛ كوني الطفلة الأوحد
في أسرتي، وعندما كبرت كنت دائمًا أشعر بالاختلاف وأنني لا أعرف أين أنتمي أو لمن،
لكن الوحدة الآن ليست فقط قاصرة على ذاك الإحساس، فأنا لست بمنزلي في حي الزمالك والذي
نادرًا ما يكون الجو به بارد لدرجة البرودة التي تسري في جسدي وأطرافي الآن.
لا أدري إذا كان الجو دافئ فعلًا
ببيتي؛ أم منبع الدفء آتٍ من أمي ومن حنانها الذي لا مثيل له، فلطالما كنت أحسدها
على رقتها وجمال روحها، فقد كانت أمي تقول لي دائمًا: "الأم أم لكل الناس، لا
لأولادها فقط"، كم أشتاق إليها الآن، وكم أود لو أشعر بذراعيها يلتفان حولي ليحموني من أفكاري، ومنه.
فجأة!
انقطع حبل أفكاري وذكرياتي بانكسار
المرآة وتفتتها من حولي؛ وكأن زلزالًا قد دب في الأرض ليستهدف المرآة فقط، لم أستوعب
ماذا حدث لتنكسر؛ كأن لم يكفي ما حدث لي ليلة أمس، فالكون مازال يريدني أن أرتعب أكثر،
لكنه لم يُقدِّر ألا لم يعد لدي طاقة لاحتمال صدمة أخرى هذه المرة.
نظرت حولي كرد فعل تلقائي، وإذْ فجأة
شعرت بشخص يقف خلفي مباشرة، لكني لم أجرؤ على الالتفات، فثبُتُ مكاني، ودعوت في
قرارة نفسي أن تكون هذه مجرد تهيؤات، كدت أفقد وعيي، شعرت بدمائي وهي تتجمد في
أوردة جسدي، وأنا على وشك أن تنغلق عيناي وجسدي مسلَّمٌ بما يحدث، ثم سمعت صوتها!
-
ليلى، وحشتيني.
اخترق قلبي صوتها كالرصاصة التي غرضها
إحيائي وليس قتلي، استشعرت بالدماء وهي تجري في عروقي من جديد، والتففت إليها أخيرًا،
اتسعت عيناي لتحاول استيعاب صدمة رؤيتها، فأنا في حالة ترقب وذهول؛ كالذي يقف أمام
القطار المنتظر إنقاذه لأنه لا يستطيع الحراك، فمي مفتوح عن آخر إثر ذهول الموقف، ناهيكم
عن شعري الطويل الذي شعرت به وهو يلامس جرح ذراعي لسرعة حركتي وأنا أتلفت لأراها؛
مما برهن لنفسي أنني لم أكن في كابوس، فمازلت أشعر بحواسي.
-
لانا! ازاي؟ انتي هنا ازاي؟
-
عرفت إنك محتاجاني.
لا أصدق ما أسمعه! كيف لها أن تجيبيني
بهذه البساطة والسلاسة في هذا الموقف؛ وكأنها لم تكن في وعيها أو كانت تحت تأثير
مخدر ما؛ مما يليق بها.
قالتها وهي تلف عينيها كعادتها؛ مما
كان دائمًا يعطيني إحساسًا أنها غير مهتمة بأي شيء أقوله، لم أتخيل يومًا أنني سأفتقد
هذه النظرة، كما لم يكن يجول بخاطري أنني سأراها بنفس وشاحها الأحمر؛ كأن لم تمر
عشر سنوات على فراقنا.
ملامحها لم تتغير، لكن شفاهها كبرت
بشكل ملحوظ لا يمكن تجاهله، فأنا أتذكر كم كانت مهووسة بعمليات التجميل والفنانات
العربية؛ على عكس حبي أنا لـ "blake lively"،
وهوسي بها في مسلسلي المفضل أنا وفرح "gossip girl"، ذلك الذي كانت دائمًا تنتقده مثلما
تنتقد فرح، فعلاقتي بها كانت منغلقة علينا فقط؛ لاختلافها عن جميع مَن حولي، حتى عن
أهلي، فلم يكن الاختلاف ماديًّا فقط، ولكنه كان أخلاقيًّا واجتماعيًّا أيضًا.
تأملت شعرها المجعد الأصفر الذي يخفي
ظهرها، فقد كانت تحب إظهاره بارتدائها الملابس المفتوحة باستمرار، لكن من الواضح أنها
الآن تلبس المفتوح من عند منطقة الصدر؛ بما أنها لا تستطيع إبراز ظهرها الآن بسبب
شعرها، كما لفت انتباهي يدها المرتخية المليئة بالخواتم المزيفة؛ مثل وجهها الذي
مهما حدث فيه فلا يظهر عليه أي معالم تدل على ما تشعر به.
حاولت بقصارى جهدي ألا أسرح
بتفاصيلها، لكنني فشلت، فقد افتقدتها، بكل ما فيها من عيوب، لكنني ما زلت أريد أن أفهم
ماذا يحدث وكيف أتت؟ فاشتياقي لها لم يكن كافيًا ليجيبني عن أسئلتي.
-
فهميني دخلتي ازاي؟ ايه اللي كسر
المرايا؟ جيتي لبنان امتى وعرفتي مكاني ازاي؟
-
كفاية أسئلتك الكتيره دي يا ليلى، مش
وقتها أصلًا، احمدي ربنا إني جيت لك، ويلا لمي حاجتك وتعاليلي أنا هستناكي في
المطعم اللي في المول اللي جنبك.
ذهبت في لمح البصر! ولم تعطني الفرصة
لأستوعب ما يحدث، تقرر لي ماذا أفعل وكيف يجب أن أفكر مثل عادتها، حتى وأنا في هذه
الحالة، فكم تستفزني ثقتها بنفسها، وتهورها، وعدم مراعاتها لعواقب أي فعل يصدر
منها، على عكسي تمامًا، لطالما كنا مختلفين في كل شيء، لكن هذا ما جعلنا نصدق أننا
نكمل بعضنا البعض.
ذهبت وكأنّ من الطبيعي أن تأتي وقت ما
تشاء وتذهب وقت ما تشاء، وأغلقت باب غرفة الفندق بقوة وكأنها باب منزلها، لكن
للأسف أنا وهي نعلم جيدًا أني سأستمع لكلامها وسأفعل ما تأمرني به؛ خصوصًا وأنا في
موقف كهذا، فخبراتها الحياتية كفيلة بأن تجعلني أمشي خلفها بدون أي إعمال للعقل أو
المنطق.
غريبة هي لانا، لا أدري كيف تفعل ذلك؟
كيف تظهر لدقائق معدودة ولا تقل الكثير، لكن وجودها كافٍ ليمدني بالطاقة من جديد؛
حتى وإن كانت هذه الطاقة سلبية، فقد كنت فعلًا بحاجة إليها.
لم أستطع التحرك بسرعتها، فقفت مكاني
ونظرت للجزء الصغير المتبقي من المرآة على الحائط، لاستجمع قواي من جديد.
-
انتي كويسة.
ظللت أرددها وأكررها لنفسي في نفس
الوقت الذي انكتمت به أنفي من رائحة الدم الجاف اللاصق بذراعي من تلك الليلة
المشؤومة، فقد توقف النزيف من الجرح، لكنه لم ولن يقف من قلبي المكسور، تفحص ذراعي
وأنا أرتعش وأتذكر كل أحلامي وطموحاتي أنْ أكافأ بالقبلات واللمسات الرقيقة التي
تلمس جسدي وروحي، فكنت دائمًا أحاول أن أقلل من توقعاتي حتى لا اصطدم بالواقع،
فآنذاك ظننت أنّ قبلة حنونة كافية لتداوي كل العذاب الذي مررت به لأصل لهذه اللحظة.
كم كنت غبية لأعتقد أنّ الليالي
المريرة التي عاصرتها بحياتي كانت الأسوأ على الإطلاق، فلم أكن أتخيل أني سأمر
بليلة تلطخها الدماء الممزوجة برائحة الخوف من المستقبل الغامض.
كم كنت أتمنى أن أشتم رائحة شمعتي
المفضلة بالفانيليا أو بجوز الهند، فهذه الشموع كانت إحدى علامات غرفتي؛ لكونها
دائمًا موجودة بالخزانة الصغيرة (كومود) المجاور لسريري، لم يفهم أحد يومًا قيمة
الشموع بالنسبة لي، فكم كانت هذه الروائح تريحني وتساعدني على النوم الذي انحرمت
منه معظم الأيام؛ بسبب تفكيري الزائد وتحليلاتي لكل شيء يحدث في اليوم.
أمسكت بالمنشفة التي كُتب عليها اسم
الفندق لأمسح الدم؛ بينما عيناي تدقق وتحلل تفاصيل شكلي بفستان الفرح الذي لم يكن
باختياري، حاله كحال كل شيء في حياتي؛ غرغرت عيناي بالدموع وأنا أتذكر كل صور
العرائس التي كنت أقطعها من المجلات وأنا طفله أحلم باليوم الذي سأرتدي فيه
الفستان الأبيض، وكل الصور التي احتفظت بها على هاتفي عبر تطبيق "Pinterest" التي عرفتني عليه فرح؛ صديقتي التي أصفها
بأختي بكل ما فيها من معانيَ وليس لأظهر حبي لها؛ حتى وإن ظللنا لا نرى بعضنا لمدة
شهر، فأنا جزء منها وهي جزء مني، ولم يجُل بذهني أبدًا أنّ فستاني سيكون ملوثًا
بالدماء النابعة من جسدي أنا، ومن داخلي أنا.
كم كنت أود أن أكون بشرفة غرفتي
المطلة على نادي الجزيرة وأشاهد الخيل بتمعن؛ وتحديدًا الحصان ذو اللون البني
الداكن الذي أسميته "شوكو" مثل عادتي كل صباح، فهذه كانت بمثابة جرعة الأمل
التي تساعدني لاجتياز يومي.
استمررت على مسح الدم بينما أذني
تحاول أن تطمئني بصوت الهدوء الذي يعم في أرجاء الغرفة من حولي، لكن الصورة في
ذاكرتي ثابتة على مشهد بعينه؛ مشهد التحطيم وصوت الصراخ المتكرر بذهني من ليلة أمس..
ويا لها من ليلة! وها أنا أحاول ولكني لا أستطيع محو هذه الأصوات اللعينة مهما
حاولت، فصوته ما زال في أذني، "كم أكره هذا الصوت"، فهو يذكرني بخيبة
الأمل التي كنت أبدًا أحاول الابتعاد عنها.
فكل من يراني يصفني بالمثالية لتمسكي
العظيم بالقيم والمبادئ وعدم كسري لأية قواعد، وابتعادي عن أي أذية لغيري أو لنفسي،
ثم أنّ قاموسي لا يحتوي على كلمة "مغامرات "، فأنا أفعل ما يطلب مني أو
ما أراه صحيحًا وخاليًا من المفاجآت أو الصدمات.
لطالما كان هذا الفندق المفضل لي بلبُنان،
وكنت أشعر بالراحة لاتساع أجنحته، ولم يخطر ببالي أنه سيضيق عليّ كالقبر، ومن جديد
أحاول تخيل صوت "زيزو ولولي"، عصافير أمي، أو بالأحرى فقد كانوا جزءًا
من العائلة الصغيرة التي نقصت فرد منذ أن انفصلت أمي عن أبي.
استجمعت قواي وكفكفت دموعي، وخلعت الفستان
المشؤوم أخيرًا، لكن يداي قررت أن تتحسس آخر جزء سليم بالمرأة، في محاولة فاشلة
منها لتثبت أنّ كل ما أشعر به وأراه هو مجرد كابوس! علّني أفيق منه وأنا في سريري
بمصرَ، مرتدية بيجامتي الحريرية السوداء، ولا أفكر بشيء سوى الطقم الذي سأرتديه وأنا
ذاهبة لعملي بالمحاسبة، ذاك العمل الذي لطالما كنت أمقته وأشعر بالضجر تجاهه؛ حتى
وإن كان من حولي فقط يظنون أنني أتظاهر أنني لا أحبه، فقد كنت دائمًا أرى في أعينهم
استهزاء بشكواي.
فعملي كان حلْم لبعض الناس؛ أن يعملون
مديري محاسبة في شركة أباهم الذي ستكون لهم في المستقبل، لكنه لم يكن حلمي على
الإطلاق، أتعجب كثيرًا من اشتياقي إلى هذا العمل، ولا أصدق لهفتي لكل تفاصيل العمل
المملة، كم هي غريبة تلك الحياة! فعند المصائب دائمًا نشتاق لكل ما ظننا يومًا أننا
لا نحبه، فالروتين يطمئننا ونهرب فيه من مخاوفنا.
وكم أنا مشتاقة لحياتي المملة الآن كي أشعر بالأمان.. فقط الأمان.
ومن جديد، استجمعت ما بقي من قواي لتحملني
للملمة ملابسي القليلة التي أخرجتها من الحقيبة المليئة بالأبيض والألوان على عكس
عادتي، وبدأت أتحرك بشكل أسرع من ذي قبل لأتمكن من الهروب من هذه الغرفة التي
شاهدت معي أسوأ ليلة حدثت لي، خائفة من أن يأتي إليّ ويلحق بي قبل أن أهرب.
ارتديت فستانًا مزينًا بالورود كمن
تحب الحياة -على عكس شعوري الآن- ولملمت شعري في شكل ذيل حصان؛ مثل عادتي، لكني لم
أعثر على أي حذاء سوى حذاء الكعب العالي، فكم وددت أن يكون معي حذاء رياضي في هذه
اللحظة؛ لأتحرك وأهرب في صمت دون أن يلحقني أو يراني أحد.
كم كنت ناقدة على الفتيات اللاتي يرتدين
الأحذية الرياضية وهم غير ذاهبين لممارسة الرياضة، فقد تمنيت أن أكون واحدة مثلهن
في هذه اللحظة، وأدركت قيمة هذه الأحذية الآن، شرعت بأخذ هاتفي ومحفظتي ونظرت للغرفة
نظرة أخيرة لأتأكد من عدم نسياني لأي شيء، ولكن كانت غرفة جميلة، على عكس ما حدث
بها من قبح.
سالت دموعي للمرة الثانية، وأغلقت
الباب بصوت خافت، ثم توجهت ناحية الأسانسير، وانتظرته حتى أتى.. فانفتح الباب.
"علي": صباح الخير.
