قبل
التدقيق اللغوي
ألفراغ ألقانوني
في مبادئ الحماية الدولية لحقوق الأنسان
المبحث الاول
معنى الحماية الدولية لحقوق الانسان
لا تقل الحماية الدولية عن غيرها من مواضيع القانون
الدولي أهمية, و لا تقصر عن غيرها في إثارة الخلافات الفقهية والقانونية, للوقوف على
حقيقة هذا المصطلح, فالحماية الدولية تمثل في بعض الاحيان فعل من المجتمع الدولي لتجنب
انتهاك حقوق الانسان, وفي الاغلب ردة فعل على انتهاك هذه الحقوق.
على ما تقدم, يعد من الأهمية بمكان توضيح المراد
بالحماية الدولية, إذ أن ذلك ضروري لتحديد نطاق عمل اتفاقيات الحماية الدولية, ومعرفة
أين تبدأ وأين تنتهي.
عليه وللإحاطة بمفهوم الحماية الدولية, سنتناوله
في فرعين, سيكون الفرع الاول مخصص لتعريف الحماية الدولية لحقوق الإنسان لغةً واصطلاحاً,
ثم بيان مصادرها, أما الفرع الثاني سيتناول موضوع تطور الحماية الدولية ووصولها الى
ما وصلت اليه, وكذلك أهمية الحماية الدولية في الوقت الحاضر.
المطلب الاول :تعريف الحماية الدولية ومصادرها
اذا كان فقهاء اللغة لم يختلفوا كثيراً فيما بينهم
حول معنى الحماية, لأنهم محكومون بما تفرضه هذه الكلمة من معنى لغوي, فإن الأمر مختلف
بالنسبة لفقهاء القانون الدولي, وللوقوف على ما تعبر عنه مفردتي(الحماية والدولية
) لغة ومصطلح (الحماية الدولية ) اصطلاحاً, فإننا سنتناول في فرعين المعنى اللغوي للحماية
الدولية في الفرع الاول, وفي الفرع الثاني نستعرض مصادر هذه الحماية .
الفرع الاول :تعريف الحماية الدولية
للوقوف على المراد بالحماية الدولية, لابد اولاً
من استعراض المعنى اللغوي المكون لمصطلح(الحماية الدولية), ثم نعرج على المعنى الاصطلاحي
, وذلك في نقطتين:
أولاً: الحماية الدولية لغة:
الحماية: يقال حمىِ الشيء يحميه حِمايةً(بالكسر) أي مَنَعَه
وحمى المريض ما يضره منعه اياه وأحتمى هو من ذلك وتحمّى أمتنع والحَميّ المريض الممنوع
من الطعام والشراب(3). ويقال حميت القوم حماية ً أي نصرتهم(4). وحماه يحميه حماية دفع
عنه وهذا شيءٌ حميّ أي محضور لا يقرب, وتحاماه الناس أي توقوه واجتنبوه(5). ويقال هذا
الشيء حمي, أي محضور لا يقرب, وحَمَيتَه حِمايةً اذا دفعت عنه, ومنعت منه من يقربه,
والحميم القريب المشفق وسمي بذلك لأنه يمد حمايته لذويه فهو يدافع عنهم, كما قال تعالى
في كتابه العزيز((ولا يسألُ حميمٍ حَميما)) المعارج آية : 10, وفي الجملة نجد الحماية
تأتي على معانٍ هي: المنع, والنصرة وهي داخلة تحت معنى المنع لان النصرة منع الغير
من الاضرار بالمضرور(6).
الدولية : الدَّولة و الدُّولة العقبة في المال والحرب,
وقيل هما لغتان فيهما و الجمع دُوَل و دِوَل, وقيل الدَّولة بالفتح في الحرب أن تدال
إحدى الفئتين, والدُّول بالضم في المال يقال: صار الفيءُ دُولةً بينهم, وقال الزجاج
الدُّلة اسم الشيء الذي يُتداول والدَّلة الفعل والانتقال من حالٍ لحال(7). دال ,يدول
دَولاً, ودولة فهو دائل. ودال الأمر انتقل من حال إلى حال, ودالت الايام دارت, ودالت
دولة الاستبداد, زالت, وادال الشيء جعله مداولة, أي تارة لهؤلاء وتارةً لهؤلاء. ودولة
مفرد جمعه دولات, و دُوَل, ودِوًل. واليوم الدَولة :إقليم يتمتع بنظام حكومي واستقلال
سياسي., دَوليّة: أسم منسوب الى دُوَل, و دُوَليّة أسم مؤنث منسوب إلى دول(8).
ثانياً: الحماية الدولية اصطلاحاً:
اختلف فقهاء القانون الدولي في تعريف الحماية الدولية
فمنهم من اعطاها معناً واسعا, ومنهم من ضيق منها, والملاحظ ان الاتفاقيات والمعاهدات
والاعلانات المتعلقة بالحماية لم تورد تعريف لها, وإنما نصت على مجموعة من الاجراءات
التي تُلزم بها الدول سواء أكان هذا الالتزام قانونياً أم أدبياً, وكأنها قصرت هذه
الحماية على هذه الاجراءات (من حيث التعريف), أي عرفت الاصطلاح بجملة اجراءات.
لذا لابد لنا من استعراض ما طرحه الفقه من تعريف
والاقتصار عليه:
في احدى حلقات النقاش التي نظمتها اللجنة الدولية
للصليب الاحمر في عام 1999, تبنى ممثلي المنظمات الانسانية التعريف الاتي: (مفهوم الحماية
الدولية يشمل اصطلاح الحماية في مجال حقوق الانسان بصفة عامة جميع الانشطة التي تهدف
لضمان الاحترام الكامل لهذه الحقوق وفقا لنص وروح القوانين ذات الصلة)(9).
إن ما يلاحظ على هذا التعريف هو انه لا يصلح لتوصيف
الحماية الدولية وحسب, بل والحماية الوطنية التي تتحملها الدولة بالدرجة الاساس, ووفقا
للتعريف فأن الحماية الدولية تتمثل بمختلف الانشطة التي تمارسها الهيئات للضمان الكامل
لاحترام هذه الحقوق, وبما ينسجم مع نص وروح النصوص الواردة في القانون الداخلي او الدولي
لحقوق الانسان.
الا ان التعريف لم يبين ما هي هذه الاجراءات ولم
يعط مصاديق لتكون مثلا يقاس عليه.
كذلك عُرفت الحماية الدولية إنها: (تكمن في الاساس
في اتخاذ العديد من الاجراءات العامة التي تمارسها الأجهزة المتخصصة في الأمم المتحدة,
أو ما تمارسه اجهزة الحماية الدولية الخاصة المسئولة عن مراقبة تنفيذ الدول التزاماتها
باحترام حقوق الانسان, والتي أُنشات بموجب اتفاقيات الوكالات الدولية المتخصصة والاتفاقيات
التي تلت ميثاق الأمم المتحدة), ومعيار التمييز الإجراءات العامة التي تمارسها الاجهزة
المتخصصة والحماية الخاصة, هو ان يكون العمل بموجب ميثاق الأمم المتحدة, أو بموجب اتفاقيات
أو معاهدات خاصة تبرمها الوكالات الدولية, فمتى كانت الحماية بموجب الميثاق كانت حماية
عامة, وإذا كانت بموجب اتفاقيات أبرمتها الوكالات الدولية – ولو استنادا إلى الميثاق
– كانت حماية خاصة. وجاء هذا التعريف أكثر تحديداً من سابقه إذ قصر الحماية على تلك
التي تحمل الصفة الدولية سواء مارستها الامم المتحدة او الوكالات المتخصصة(10).
وقد عرفت(فرانسواز بوشيه سولينية)الحماية بقولها:(تعني
الحماية الإقرار بان للأفراد حقوقا, وان السلطات التي تمارس السلطة عليهم لديها التزامات,
وتعني الدفاع عن الوجود القانوني للأفراد, إلى جانب وجودهم المادي. لذلك تعكس فكرة
الحماية جميع الإجراءات المادية التي تمّكن الأفراد المعرضين للخطر من التمتع بالحقوق,
والمساعدة المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية وفي كل حال على منظمات الاغاثة ان تكرس
هذه القوانين بصورة ملموسة)(11).
نتوصل من التعريف إلى أن ما يسترعي الانتباه, انه
ركز على التزام الدول تجاه الافراد وما يقع على عاتقها من التزامات تجاه حقوق الافراد,
ولم يشر الى الجانب الدولي للحماية الا انه اشار في ما بعد الى ان الوضع القانوني للأفراد
وإن كان يحدد بالقانون الداخلي, الا أن هناك عناصر مختلفة في القانوني الدولي تضفي
وضعاً قانونياً دولياً على لأفراد, ومصدر هذه العناصر هي الاتفاقيات والاعلانات والبرتوكولات
والعهود المتعلقة بحقوق الانسان السارية في وقت السلم.
بينما رأى بعض الفقهاء أن الحماية الدولية تقسم إلى
نوعين من الحماية, الحماية الدولية المباشرة والحماية الدولية غير المباشرة, يُراد
بالأولى: (جملة الاجراءات والانشطة التي تباشرها الاجهزة المعنية على المستوى الدولي
او الاقليمي لفرض احترام حقوق الانسان التي أقرتها المواثيق الدولية, والتصدي للانتهاكات
التي ترتكب ضد هذه الحقوق, بغية وقف ومحو اثارها او التخفيف منها). بينما يقصد بالحماية
الغير مباشرة:( تلك المهام والانشطة التي تنهض بها الاجهزة الدولية على المستوى الدولي
او الاقليمي, بغرض خلق او ايجاد المناخ العام الذي يكفل اقرار وتعزيز حقوق الانسان,
عن طريق صياغة وتقنين القواعد والاحكام المتعلقة بحقوق الانسان ونشر الوعي بها بين
الشعوب والحكومات على حدٍ سواء(12)).
ونرى يلاحظ على هذا التعريف انه عمد الى تقسيم الحماية
الى قسمين, رغم ان التعريف لابد ان يكون جامع, كذلك لا يغيب على الخبير أن المعنى الثاني
الذين تعرض له تعريف الحماية الغير مباشرة هو تعريف لمفهوم تعزيز حقوق الانسان, والذي
يهدف الى نشر ثقافة حقوق الانسان في الاوساط الدولية والمحلية وتتولاه المنظمات الدولية
الحكومية وغير الحكومية, وعلى المستوى الوطني غالباً ما تعمل من اجله المنظمات المستقلة
عن الدولة وهي منظمات المجتمع المدني.
اما اذا رجعنا الى التعريف الأول نراه عرف الحماية
بـ(جملة الاجراءات والانشطة ….), وكأنه اراد ان يحصر الحماية بالإجراءات المادية التي
تتولاها الأجهزة الدولية المعنية – يؤيد ذلك التعريف الثاني- رغم ان الحماية تأخذ في
اغلب الاحيان صور معنوية او ادبية, مثل حث الدول على حماية الحقوق السياسية, او قيام
بعض المنظمات بنشر تقاريرها عن حالة الحقوق في بعض الدول لتشكيل رأي عام دولي يدفع
الدول والمؤسسات الدولية الى الضغط على تلك الدول من اجل تحسين حال الحقوق الانسان
لديها .
وقد عرف البعض الحماية الدولية انها:(( الاجراءات
التي تتخذها الهيئات الدولية ازاء دولة ما, للتأكد من مدى التزامها بتنفيذ ما تعهدت
والتزمت به في الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان, والكشف عن انتهاكاتها ووضع مقترحات
او اتخاذ اجراءات لمنع هذه الانتهاكات(13) )).
التعريف أعلاه جاء مستوعباً لأنواع الحماية الدولية
والاقليمية, لأنه اشار إلى أن الغاية من الإجراءات للتأكد من التزام الدول بما الزمت
به نفسها في الاتفاقيات الدولية , التي قد تكون ذات صفة اقليمية, اضافة إلى إمكانية
أن يكون للهيئات الدولية صلاحية علاجية للانتهاكات عن طريق وضع مقترحات او اتخاذ اجراءات.
مما تقدم نرى ان تعريف الحماية الدولية دائما يدور
حول جملة غير محددة من الاجراءات التي تختلف من هيئة دولية الى اخرى, وتختلف في المنظمات
الاقليمية عنها في الدولية, وفي الاجمال يمكن القول ان الحماية الدولية هي (اختصاصات
وإجراءات رقابية تمارسها المنظمات والهيئات الدولية والإقليمية بحق أعضاءها لفرض احترام
حقوق الانسان ).
الفرع الثاني :مصادر الحماية الدولية
إن لفكرة المصادر في القانون الدولي أهمية كبيرة,
وتستخدم هذه المفردة للإشارة الى دلالات ثلاث هي:
الأولى :ويراد بها الأساس القانوني للحماية الدولية, بمعنى
الاساس الملزم أي قوته الملزمة بتعبير أخر مصدر فاعلية القاعدة الدولية, وهو المراد
في تناولنا لموضوع المصادر.
الثانية: يقصد بها المصادر المادية للقاعدة القانونية, أي
المناهل الاولى التي استقت منها القاعدة سبب وجودها ويضاف لها – لهذه المصادر- العوامل
التي ساهمت في تكوين القاعدة كالقانون الروماني,والإسلامي.
الثالثة: تستعمل مفردة مصدر للتعبير عن المصادر الشكلية للقانون,
اي طرق تكوين القاعدة القانونية, مثل التشريع على المستوى الداخلي او الاتفاقيات الجماعية
(الشارعة ) على المستوى الدولي(14).
وتستند مصادر الحماية الدولية اساساً على مصدرين
رئيسين هما المصادر العالمية والمصادر الإقليمية:
اولاً: المصادر العالمية.
وتشتمل هذه المصادر على نوعين, المصادر العامة والمصادر
الخاصة, اما بالنسبة للأولى, فهي المصادر المتمثلة بالمواثيق والإعلانات التي تضمنت
جميع أو اغلب الحقوق التي يفترض ان يتمتع بها بني الإنسان, وتشكل حاليا شريعة عامة
لحقوق الإنسان حتى إنها سميت بـ (الشِرعة الدولية لحقوق الانسان ), وتشمل ميثاق الامم
المتحدة سنة 1945, والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948, والعهد الدولي للحقوق
المدنية والسياسية لسنة1966,والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لسنة1966.
وتختلف فاعلية هذه المصادر من مصدر لأخر, فلم يتضمن
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مثلاً أية آلية إلزامية قانونا مقارنة ً بالعهد الدولي
للحقوق المدنية والسياسية, رغم ذلك يعد الإعلان الخطوة الاولى التي مهدت الطريق لترسيخ
هذه الحقوق بشكل ملزم قانونا في العهدين الدوليين اللاحقين له سنة 1966(15).
يضاف لهذه المصادر مجموعة من الإعلانات أصدرتها الجمعية
العامة للأمم المتحدة , منها الإعلان الخاص بالحق في التنمية الصادر سنة 1983, والإعلان
الخاص بحقوق الاشخاص المنتمين لأقليات قومية او اثنية او لغوية او دينية والصادر في
سنة 1992 , و الاعلان الصادر عن المؤتمر العالمي لحقوق الانسان الذي عُقد في العاصمة
النمساوية فيينا سنة , 1993وبرنامج العمل الذي تمخض عنه المؤتمر(16) .
اما النوع الثاني من المصادر العالمية, هي المصادر
الخاصة وهذه تشكل مجموعة واسعة من الاعلانات والاتفاقيات الاممية التي عالجت مواضيع
محددة بعينها, او اختصت بفئة من الافراد , مثل اتفاقية العمل الدولية رقم 100 بشأن
المساواة بين الرجال والنساء في الاجر, والاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين عام 1951,
كذلك اتفاقية منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكوUNSCO)عام
1960 بشأن منع التمييز في التعليم, وإعلان الامم المتحدة للقضاء على جميع اشكال التمييز
العنصري لعام 1963, واتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة لعام 1967, واتفاقية
حقوق الطفل لعام 1989, , وغيرها الكثير من الاتفاقيات والاعلانات التي تعالج موضوعات
محددة, او تتعلق بأفراد أو أشخاص محددين(17).
ثانياً: المصادر الإقليمية.
يوجد في الوقت الحاضر ثلاث نظم اقليمية تعمل في ثلاث
قارات ذات فاعلية في حماية حقوق الإنسان, وهذه النظم حسب كفاءتها هي النظام الاوربي
الذي يعد افضلها, يليه النظام الامريكي والذي يعمل في قارتي امريكا الشمالية والجنوبية,
و النظام الافريقي*.
النظام الاوربي هو الاقدم والأكثر فاعلية, ويعود
أنشاءه إلى اتفاقية لندن عام 1949, التي كانت اتفاقية روما عام1950لحقوق الإنسان والحريات
الأساسية من أفضل نتاجاته, وقد جاء هذا النظام بمحكمة ذات ولاية جبرية هي المحكمة الاوربية
لحقوق الانسان, ويعد اقدم نظام اذ سبق حتى نظام الأمم المتحدة كذلك انه الأفضل من بين
انظمة الحماية ليس فقط الاقليمية بل والعالمية(18).
اما بالنسبة للنظام الامريكي لحماية حقوق الانسان.
فانه يستند إلى وثيقتين أساسيتين, الأولى هي ميثاق بوغوتا عام 1948, والذي انشأ المنظمة
الامريكية, والثانية والتي تمثل الأصل العام لنظام الحماية الأمريكي وهي الاتفاقية
الامريكية لحقوق الانسان في عام 1969.
وقد تم إنشاء اللجنة الامريكية لحقوق الإنسان في
عام 1959, من قبل وزراء خارجية الدول الامريكية, ثم أُنشأت المحكمة الامريكية لحقوق
الانسان, ورغم ان الدول الامريكية قد اقتفت اثار الدول الاوربية في انشاء اللجنة الامريكية
لحقوق الانسان والمحكمة الامريكية, إلا ان البون واسع بين الاثنين, وذلك لما تعانيه
القارة الامريكية الجنوبية من تخلف في العديد من دولها, واختلاف المستوى السياسي والاقتصادي
والاجتماعي والثقافي على مستوى الحكومات والشعوب مما يحول دون ايجاد معايير واحدة قابلة
للتطبيق في جميع انحاء القارة الامر الذي لا تعانيه اوربا(19).
اما النظام الافريقي فقد بدأ متأخرا, إذ وافق مؤتمر
القمة الافريقي على الميثاق الافريقي لحقوق الانسان والشعوب في عام 1980, ولم يدخل
حيز التنفيذ الا في عام 1986, الذي أَلزم الدول الافريقية الاعضاء باتخاذ اجراءات تشريعية
لاحترام حقوق الانسان .
وسار النظام الافريقي على خطى سابقيه في انشاء محكمة
افريقية لحقوق الانسان في سنة 2000,والميثاق الافريقي يأتي ثالثاً من حيث الكفاءة بين
الانظمة القارية, إلا إنه خطوة مهمة خصوصاً اذا كان في مثل تلك القارة التي تسيطر على
معظم بلدانها انظمة حكم عسكرية شمولية, و لازال الفقر والجهل والتخلف هو السائد في
اكثر بلدانها(20).
والحقيقة ان الاختلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية
والايدلوجية العميقة بين الدول, تفرض محاولة الدول حماية حقوق الانسان في نطاق اضيق
من الانظمة العالمية, ضمن مجموعة دول تكون نظمها متقاربة ومتجانسة, مما يحقق حماية
اكثر جدوى, والمثل الافضل هنا هو المجموعة الاوربية, وفي الوقت الذي نشاهد فيه ان النظم
القارية تستوعب القارات الاربع اوربا و الامريكيتين وافريقيا, نلحظ إن اسيا القارة
الوحيدة التي لم تجتمع دولها على وضع نظام لحماية حقوق المواطن الاسيوي, وقد يعود ذلك
في جملة من الاسباب الى الاختلاف بين دولها, من دول غنية الى دول فقيرة ومن دول رأسمالية
الى دول اشتراكية تسعى لتأسيس النظام الشيوعي المنشود, ومن انظمة ديمقراطية ليبرالية
الى نظم عسكرية دكتاتورية. كل هذه الاسباب ادت الى عدم وضع نظام اسيوي لحماية حقوق
الانسان وخاصة الحقوق السياسية .
بعد
التدقيق اللغوي
الْفَرَاغُ الْقَانُونِيُّ فِي مَبَادِئَ الْحِمَايَةِ الدَّوْلِيَّةِ
لِحُقُوقِ الإِنْسَانِ
الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ
مَعْنَى الْحِمَايَةِ الدَّوْلِيَّةِ لِحُقُوقِ الْإِنْسَانِ
لا تقل الحماية الدولية عن غيرها من مواضيع القانون
الدولي أهمية، ولا تقصر عن غيرها في إثارة الخلافات الفقهية والقانونية؛ للوقوف على
حقيقة هذا المصطلح، فالحماية الدولية تمثل في بعض الأحيان فِعل من المجتمع الدولي؛
لتجنب انتهاك حقوق الإنسان، وفي الأغلب ردة فعل على انتهاك هذه الحقوق.
على ما تقدم، يُعد من الأهمية بمكان توضيح المراد
بالحماية الدولية، إذْ أن ذلك ضروري لتحديد نطاق عمل اتفاقيات الحماية الدولية، ومعرفة
أين تبدأ وأين تنتهي؟
عليه، وللإحاطة بمفهوم الحماية الدولية، سنتناوله
في فرعين، بحيث سيكون الفرع الأول مخصص لتعريف الحماية الدولية لحقوق الإنسان
لغةً واصطلاحًا، ثم بيان مصادرها؛ أما الفرع الثاني سيتناول موضوع تطور الحماية
الدولية ووصولها إلى ما وصلت إليه، وكذلك أهمية الحماية الدولية في الوقت الحاضر.
المطلب الأول
تعريف الحماية الدولية ومصادرها
إذا كان فقهاء اللغة لم يختلفوا كثيرًا فيما بينهم حول معنى الحماية؛ لأنهم
محكومون بما تفرضه هذه الكلمة من معنى لُغوي، فإن الأمر مختلف بالنسبة لفقهاء القانون
الدولي، وللوقوف على ما تعبر عنه مفردتي (الحماية والدولية) لغةً واصطلاحًا، فإننا
سنتناول في فرعين المعنى اللغوي للحماية الدولية؛ في الفرع الأول، وفي الفرع الثاني
نستعرض مصادر هذه الحماية.
الفرع الأول: تعريف الحماية الدولية
للوقوف على المراد بالحماية الدولية، لابد أولًا
من استعراض المعنى اللغوي المكون لمصطلح (الحماية الدولية)، ثم نعرج على المعنى الاصطلاحي،
وذلك في نقطتين:
أولًا: الحماية الدولية (لُغَةً):
الحماية:
يُقال حِمَى الشيء يحميه حِمايةً (بالكسر)؛ أي مَنَعَه وحَمِيَ المريض ما يضره؛
منعه إيَّاه واحتمى هو من ذلك، وتحمّى؛ امتنع، والحَميّ المريض الممنوع من الطعام والشراب.
(3)
كما يُقال حميت القوم حمايةً؛ أي نصرتهم (4)، وحماه يحميه حماية؛ دفع
عنه، وهذا شيءٌ حميّ؛ أي محظور لا يقرب، وتحاماه الناس؛ أي توقوه واجتنبوه. (5)
أيضًا، يُقال حَمَيتَه حِمايةً؛ إذا دافعت عنه ومنعت منه من يقربه، والحميم
القريب المشفق؛ وسمي بذلك لأنه يمد حمايته لذويه فهو يدافع عنهم، كما قال تعالى في
كتابه العزيز: (ولا يسألُ حميمٌ حَميمَا) - المعارج آية: 10، وفي الجملة نجد الحماية
تأتي على معانٍ هي: المنع، والنصرة؛ وهي داخلة تحت معنى المنع؛ لأن النصرة منع الغير
من الأضرار بالمضرور. (6)
الدولية:
الدَّولة والدُّولة العقبة في المال والحرب، وقيل هما لغتان فيهما والجمع دُوَل
ودِوَل، وقيل الدَّولة بالفتح في الحرب أن تُدال إحدى الفئتين، والدُّول بالضم في المال
يقال: صار الفيءُ دُولةً بينهم، وقال الزجاج الدُّلة اسم الشيء الذي يُتداول، والدَّلة
الفعل والانتقال من حالٍ لحال. (7)
دال يدول دَولًا، ودولة فهو دائل، ودال الأمر؛ انتقل من حال إلى حال، ودالت
الأيام؛ دارت، ودالت دولة الاستبداد؛ زالت، وادال الشيء؛ جعله مداولة؛ أي تارة لهؤلاء
وتارةً لهؤلاء.
ودولة مفردٌ جمعه دولات ودُوَل ودِوَل، واليوم الدَولة: إقليم يتمتع بنظام حكومي
واستقلال سياسي، وأمّا دَوليّة: اسم منسوب الى دُوَل، ودُوَليّة؛ اسم مؤنث منسوب إلى
دول. (8)
ثانيًا: الحماية الدولية (اصطلاحًا):
اختلف فقهاء القانون الدولي في تعريف الحماية الدولية، فمنهم من أعطاها معنًا
واسعًا، ومنهم من ضيّق منها، والملاحظ أنَّ الاتفاقيات والمعاهدات والإعلانات المتعلقة
بالحماية لم تورد تعريفًا لها، وإنما نصت على مجموعة من الإجراءات التي تُلزَم بها
الدول؛ سواء أكان هذا الالتزام قانونيًا أم أدبيًّا؛ وكأنها قصُرت هذه الحماية على
هذه الإجراءات (من حيث التعريف)؛ أي عرفت الاصطلاح بجملة إجراءات.
لذا لابد لنا من استعراض ما طرحه الفقه من تعريف والاقتصار عليه:
- في إحدى حلقات النقاش التي نظمتها اللجنة الدولية
للصليب الأحمر في عام 1999م، تبنى ممثلي المنظمات الإنسانية التعريف الآتي:
(مفهوم الحماية الدولية يشمل اصطلاح الحماية في مجال حقوق الإنسان بصفة عامة جميع
الأنشطة التي تهدف لضمان الاحترام الكامل لهذه
الحقوق، وفقًا لنص وروح القوانين ذات الصلة). (9)
إن ما يلاحظ على هذا التعريف هو أنه لا يصلح لتوصيف الحماية الدولية وحسب؛ بل
والحماية الوطنية التي تتحملها الدولة بالدرجة الأساس، ووفقًا للتعريف، فإن الحماية
الدولية تتمثل بمختلف الأنشطة التي تمارسها الهيئات للضمان الكامل لاحترام هذه الحقوق،
وبما ينسجم مع نص وروح النصوص الواردة في القانون الداخلي أو الدولي لحقوق الإنسان.
إلا أنَّ التعريف لم يُبين ما هي هذه الإجراءات، ولم يعطِ مصاديق لتكون مثالًا
يُقاس عليه.
- كذلك عُرفت الحماية الدولية أنها: (تكمن في
الأساس في اتخاذ العديد من الإجراءات العامة التي تمارسها الأجهزة المتخصصة في
الأمم المتحدة، أو ما تمارسه أجهزة الحماية الدولية الخاصة المسئولة عن مراقبة
تنفيذ الدول التزاماتها باحترام حقوق الإنسان، والتي أُنشات بموجب اتفاقيات الوكالات
الدولية المتخصصة والاتفاقيات التي تلت ميثاق الأمم المتحدة).
إنّ معيار التمييز يكمن في الإجراءات العامة التي تمارسها الأجهزة المتخصصة
والحماية الخاصة؛ وهو أن يكون العمل بموجب ميثاق الأمم المتحدة، أو بموجب اتفاقيات
أو معاهدات خاصة تبرمها الوكالات الدولية، فمتى كانت الحماية بموجب الميثاق كانت حماية
عامة، وإذا كانت بموجب اتفاقيات أبرمتها الوكالات الدولية – ولو استنادًا إلى الميثاق
– كانت حماية خاصة.
وجاء هذا التعريف أكثر تحديدًا من سابقه؛ إذ قصر الحماية على تلك التي تحمل
الصفة الدولية سواء مارستها الأمم المتحدة أو الوكالات المتخصصة. (10)
وقد عرَّفت (فرانسواز بوشيه سولينية)
الحماية بقولها:
(تعني الحماية الإقرار بأن للأفراد حقوقًا، وإن السلطات التي تمارس السلطة عليهم
لديها التزامات، كما تعني الدفاع عن الوجود القانوني للأفراد، إلى جانب وجودهم المادي؛
لذلك تعكس فكرة الحماية جميع الإجراءات المادية التي تمّكن الأفراد المعرضين للخطر
من التمتع بالحقوق، والمساعدة المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية وفي كل حال على
منظمات الإغاثة أنْ تكرس هذه القوانين بصورة ملموسة). (11)
نتوصل من التعريف إلى أن ما يسترعي الانتباه؛ أنه ركز على التزام الدول تجاه
الأفراد وما يقع على عاتقها من التزامات تجاه حقوق الأفراد، ولم يشرْ إلى الجانب الدولي
للحماية، إلا أنه أشار فيما بعد إلى أنّ الوضع القانوني للأفراد وإن كان يحدد بالقانون
الداخلي؛ إلا أنّ هناك عناصر مختلفة في القانوني الدولي تضفي وضعًا قانونيًا دوليًّا
على الأفراد، ومصدر هذه العناصر؛ هي الاتفاقيات، والإعلانات، والبرتوكولات، والعهود
المتعلقة بحقوق الإنسان السارية في وقت السلم.
- بينما رأى بعض الفقهاء أن الحماية الدولية
تقسم إلى نوعين من الحماية؛ الحماية الدولية المباشرة، والحماية الدولية غير المباشرة،
يُراد بالأولى: (جملة الإجراءات والأنشطة التي تباشرها الأجهزة المعنية على المستوى
الدولي أو الإقليمي؛ لفرض احترام حقوق الإنسان التي أقرتها المواثيق الدولية،
والتصدي للانتهاكات التي تُرتكب ضد هذه الحقوق؛ بغية وقف ومحو أثارها أو التخفيف
منها).
بينما يُقصد بالحماية الغير مباشرة: (تلك المهام والأنشطة التي تنهض بها الأجهزة
الدولية على المستوى الدولي أو الإقليمي؛ بغرض خلق أو إيجاد المناخ العام الذي يكفل
إقرار وتعزيز حقوق الإنسان، عن طريق صياغة وتقنين القواعد والأحكام المتعلقة بحقوق
الإنسان ونشر الـوعـي بـهـا بـيـن الـشـعـوب والحكومات على حدٍ سواء). (12)
ويُلاحظ على هذا التعريف أنه عَمِد إلى تقسيم الحماية إلى قسمين؛ رغم أنَّ التعريف
لابد أن يكون جامعًا، كذلك لا يغيب على الخبير أن المعنى الثاني الذي تعرض له تعريف
الحماية الغير مباشرة؛ هو تعريف لمفهوم تعزيز حقوق الإنسان، والذي يهدف إلى نشر ثقافة
حقوق الإنسان في الأوساط الدولية والمحلية، وتتولاه المنظمات الدولية الحكومية وغير
الحكومية، وعلى المستوى الوطني غالبًا ما تعمل من أجله المنظمات المستقلة عن الدولة؛
وهي منظمات المجتمع المدني.
أمّا إذا رجعنا إلى التعريف الأول؛ نراه عرف الحماية بـ (جملة الإجراءات والأنشطة….)؛
وكأنه أراد أن يحصر الحماية بالإجراءات المادية التي تتولاها الأجهزة الدولية المعنية
-يؤيد ذلك التعريف الثاني- رغم أنّ الحماية تأخذ في أغلب الأحيان صورًا معنوية أو أدبية؛
مثل حثِّ الدول على حماية الحقوق السياسية، أو قيام بعض المنظمات بنشر تقاريرها عن
حالة الحقوق في بعض الدول؛ لتشكيل رأي عام دولي يدفع الدول والمؤسسات الدولية إلى الضغط
على تلك الدول؛ من أجل تحسين حال حقوق الإنسان لديها.
- وقد عرف البعض الحماية الدولية أنها:
(الإجراءات التي تتخذها الهيئات الدولية إزَّاء دولة ما؛ للتأكد من مدى التزامها
بتنفيذ ما تعهدت والتزمت به في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، والكشف عن انتهاكاتها،
ووضع مقترحات أو اتخاذ إجراءات لمنع هذه الانتهاكات). (13)
التعريف أعلاه جاء مستوعبًا لأنواع الحماية الدولية والإقليمية؛ لأنه أشار إلى
أنّ الغاية من الإجراءات للتأكد من التزام الدول بما ألزمت به نفسها في الاتفاقيات
الدولية، التي قد تكون ذات صفة إقليمية، إضافة إلى إمكانية أنْ يكون للهيئات الدولية
صلاحية علاجية للانتهاكات عن طريق وضع مقترحات أو اتخاذ إجراءات.
مما تقدم، نرى أنّ تعريف الحماية الدولية دائمًا يدور حول جملة غير محددة من
الإجراءات التي تختلف من هيئة دولية إلى أخرى، وتختلف في المنظمات الإقليمية عنها في
الدولية، وفي الإجمال يمكن القول بأنّ الحماية الدولية؛ هي (اختصاصات وإجراءات رقابية
تمارسها المنظمات والهيئات الدولية والإقليمية بحق أعضاءها؛ لفرض احترام حقوق الإنسان).
الفرع الثاني: مصادر الحماية الدولية
إن لفكرة المصادر في القانون الدولي أهمية كبيرة، وتستخدم هذه المفردة للإشارة
إلى دلالات ثلاث هي:
الأولى: ويراد بها الأساس
القانوني للحماية الدولية؛ بمعنى الأساس الملزم؛ أي قوته الملزمة بتعبير آخر مصدر فاعلية
القاعدة الدولية؛ وهو المراد في تناولنا لموضوع المصادر.
الثانية: يُقصد بها المصادر
المادية للقاعدة القانونية؛ أي المناهل الأولى التي استقت منها القاعدة سبب وجودها،
ويضاف لها -لهذه المصادر- العوامل التي ساهمت في تكوين القاعدة؛ كالقانون الروماني،
والإسلامي.
الثالثة: تستعمل مفردة مصدر
للتعبير عن المصادر الشكلية للقانون؛ أي طرق تكوين القاعدة القانونية؛ مثل التشريع
على المستوى الداخلي أو الاتفاقيات الجماعية (الشارعة) على المستوى الدولي. (14)
وتستند مصادر الحماية الدولية أساسًا على مصدرين رئيسين؛ هما المصادر العالمية،
والمصادر الإقليمية:
أولًا: المصادر العالمية
وتشتمل هذه المصادر على نوعين؛ المصادر العامة والمصادر الخاصة:
أما بالنسبة للأولى:
فهي المصادر المتمثلة بالمواثيق والإعلانات التي تضمنت جميع أو أغلب الحقوق
التي يفترض أن يتمتع بها بني الإنسان، وتشكل حاليًّا شريعة عامة لحقوق الإنسان، حتى
أنها سميت بـ (الشرعة الدولية لحقوق الإنسان)؛ وتشمل ميثاق الأمم المتحدة سنة 1945م،
والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948م، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية
لسنة 1966م، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لسنة 1966م.
وتختلف فاعلية هذه المصادر من مصدر لآخر، فلم يتضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
مثلًا أية آلية إلزامية قانونًا مقارنةً بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، رغم
ذلك يُعد الإعلان الخطوة الأولى التي مهدت الطريق لترسيخ هذه الحقوق بشكل ملزم قانونًا
في العهدين الدوليين اللاحقين له سنة 1966م. (15)
يُضاف لهذه المصادر مجموعة من الإعلانات أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة؛
منها الإعلان الخاص بالحق في التنمية الصادر سنة 1983م، والإعلان الخاص بحقوق الأشخاص
المنتمين لأقليات قومية أو إثنية أو لُغوية أو دينية والصادر في سنة 1992م، والإعلان
الصادر عن المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان الذي عُقد في العاصمة النمساوية فيينا سنة
1993م، وبرنامج العمل الذي تمخض عنه المؤتمر. (16)
أمَّا النوع الثاني من المصادر العالمية:
هي المصادر الخاصة، وهذه تشكل مجموعة واسعة من الإعلانات والاتفاقيات الأممية
التي عالجت مواضيع محددة بعينها، أو اختصت بفئة من الأفراد؛ مثل اتفاقية العمل الدولية
رقم 100 بشأن المساواة بين الرجال والنساء في الأجر، والاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين
عام 1951م.
كذلك اتفاقية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو UNSCO)
عام 1960م بشأن منع التمييز في التعليم، وإعلان الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال
التمييز العنصري لعام 1963م، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام
1967م، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989م، وغيرها الكثير من الاتفاقيات والإعلانات التي
تعالج موضوعات محددة، أو تتعلق بأفراد، أو أشخاص محددين. (17)
ثانيًا: المصادر الإقليمية
يوجد في الوقت الحاضر ثلاثة نظم إقليمية تعمل في ثلاث قارات ذات فاعلية في حماية
حقوق الإنسان، وهذه النظم حسب كفاءتها؛ هي النظام الأوروبي الذي يعد أفضلها، يليه النظام
الأمريكي والذي يعمل في قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية، والنظام الإفريقي. *
النظام الأوروبي هو الأقدم والأكثر فاعلية، ويعود إنشاءه إلى اتفاقية لندن عام
1949م، التي كانت اتفاقية روما عام 1950م لحقوق الإنسان والحريات الأساسية من أفضل
نتاجاته، وقد جاء هذا النظام بمحكمة ذات ولاية جبرية؛ هي المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان،
ويُعد أقدم نظام، إذْ سبق حتى نظام الأمم المتحدة، كذلك فهو الأفضل من بين أنظمة الحماية
ليس فقط الإقليمية؛ بل والعالمية. (18)
أمَّا بالنسبة للنظام الأمريكي لحماية حقوق الإنسان، فإنه يستند إلى وثيقتين
أساسيتين؛ الأولى؛ هي ميثاق بوغوتا عام 1948م، والذي أنشأ المنظمة الأمريكية، والثانية
والتي تمثل الأصل العام لنظام الحماية الأمريكي؛ وهي الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان
في عام 1969م.
وقد تم إنشاء اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان في عام 1959م؛ من قِبَلِ وزراء
خارجية الدول الأمريكية، ثم أُنشأت المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان، ورغم أنّ الدول
الأمريكية قد اقتفت آثار الدول الأوروبية في إنشاء اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان
والمحكمة الأمريكية، إلا أنّ البون واسع بين الاثنين، وذلك لما تعانيه القارة الأمريكية
الجنوبية من تخلف في العديد من دولها، واختلاف المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي
والثقافي على مستوى الحكومات والشعوب؛ مما يحول دون إيجاد معايير واحدة قابلة للتطبيق
في جميع أنحاء القارة، الأمر الذي لا تعانيه أوروبا. (19)
أمَّا النظام الإفريقي، فقد بدأ متأخرًا، إذْ وافق مؤتمر القمة الإفريقي على الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان
والشعوب في عام 1980م، ولم يدخل حيز التنفيذ إلا في عام 1986م، الذي أَلزم الدول الإفريقية
الأعضاء باتخاذ إجراءات تشريعية لاحترام حقوق الإنسان.
وسار النظام الإفريقي على خطى سابقيه في إنشاء محكمة إفريقية لحقوق الإنسان
في سنة 2000م، والميثاق الإفريقي يأتي ثالثًا من حيث الكفاءة بين الأنظمة القارية،
إلا أنها خطوة مهمة خصوصًا إذا كان في مثل تلك القارة التي تسيطر على معظم بلدانها
أنظمة حكم عسكرية شمولية، ولازال الفقر والجهل والتخلف هو السائد في أكثر بلدانها.
(20)
والحقيقة أن الاختلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأيدلوجية العميقة
بين الدول، تفرض محاولة الدول حماية حقوق الإنسان في نطاق أضيق من الأنظمة العالمية،
ضمن مجموعة دول تكون نظمها متقاربة ومتجانسة؛ مما يحقق حماية أكثر جدوى.
والمثل الأفضل هنا هو المجموعة الأوروبية، ففي الوقت الذي نشاهد فيه أن النظم
القارية تستوعب القارات الأربع أوروبا والأمريكيتين وإفريقيا، نلحظ أن آسيا هي
القارة الوحيدة التي لم تجتمع دولها على وضع نظام لحماية حقوق المواطن الآسيوي، وقد
يعود ذلك في جملة من الأسباب إلى الاختلاف بين دولها؛ من دول غنية إلى دول فقيرة، ومن
دول رأسمالية إلى دول اشتراكية تسعى لتأسيس النظام الشيوعي المنشود، ومن أنظمة ديمقراطية
ليبرالية إلى نظم عسكرية دكتاتورية؛ كل هذه الأسباب أدت إلى عدم وضع نظام آسيوي لحماية
حقوق الإنسان، وخاصة الحقوق السياسية.
(3) ابن منضور، لسان العرب، الطبعة الأولى، دار صادر بيروت، بيروت،
بدون سنة طبع، ص 60.
(4) ابن القطاع، كتاب الأفعال، الطبعة الأولى، عالم الكتب،
بيروت - لبنان، سنة 1403هـ، ص 243.
(5) الإمام أبو بكر محمد عبد القادر، الطبعة الأولى، مختار الصحاح،
بيروت – لبنان، سنة 1941م، باب الحاء، ص 90.
(6) الراغب الأصفهاني، مفردات القرآن، الطبعة الثانية، دار القلم،
دمشق، سنة 1418هـ، ص 255.
(7) ابن منضور، المصدر السابق، الجزء الحادي عشر، ص 253.
(8) د. أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، الطبعة
الأولى، المجلد الأول، عالم الكتاب، القاهرة، سنة 2008م، ص 789,787.
(9) د. محمد صافي يوسف، الحماية الدولية للمشردين قسريًّا داخل
دولهم، دون عدد الطبعة، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة 2004م، ص 8.
(10) د. نبيل عبد الرحمن ناصر الدين، ضمانات حقوق الإنسان وحمايتها
وفقًا للقانون الدولي، الطبعة الأولى، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، سنة
2006م، ص 115.
(جاء التعريف أعلاه في معرض بيان أنواع الحماية
التي قسمها المؤلف إلى نوعين؛ حماية قضائية، وحماية غير قضائية؛ وهي المُشار إليها).
(11) فرانسوز بوشيه سولينية، القاموس العلمي للقانون الإنساني،
الطبعة الأولى، ترجمة محمد مسعود، دار العلم للملايين، بيروت – لبنان، سنة 2006م،
ص 303، 304.
(12) B. George.
The Concept and Present Status of International Protection of Human Rights
Forty Years After Universal Declaration, 1989 - p17.
(13) باسيل يوسف،
حماية حقوق الإنسان، بدون عدد الطبعة، المؤتمر الثامن عشر لاتحاد المحامين العرب،
المغرب، 1993م، ص 30.
(14) د. أحمد أبو الوفا، نظام حماية حقوق الإنسان في منظمة الأمم
المتحدة والوكالات الدولية المتخصصة، المجلة المصرية للقانون الدولي، العدد 54،
سنة 1988م، ص 12.
(15) د. محمود شريف بسيوني، موسوعة الحقوق، المجلد الأول، الطبعة
الأولى، دار الشروق، القاهرة، سنة 2003م، ص 17.
(كذلك د. هادي نعيم المالكي، المدخل لدراسة القانون
الدولي لحقوق الإنسان، الطبعة الأولى، دار السلام، بغداد – العراق، سنة 2008م، ص 31).
(16) د. أحمد عبد الحميد الدسوقي، الحماية الموضوعية والإجرائية
لحقوق الإنسان في مرحلة ما قبل المحاكمة، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة،
سنة 2007م، ص 47.
(17) د. الشافعي محمد بشير، قانون حقوق الإنسان وتطبيقاته الوطنية
والدولية، الطبعة الثالثة، منشأة المعارف، الإسكندرية، من دون سنة طبع، ص 62.
* يوجد إضافة إلى هذه النظم؛
النظام العربي لحماية حقوق الإنسان، إلا أنه إلى الآن غير فعال؛ ذلك أنه لا يشتمل على
محكمة عربية لحقوق الإنسان، واقتصر على لجنة لحقوق الإنسان فقط، وحتى هذه الأخيرة رغم
إقرار الميثاق العربي لحقوق الانسان عام 2004م، إلا أنه إلى الآن لم يتم تشكيل هذه
اللجنة. الباحثان
(18) د. محمد يوسف علوان،
د. محمد خليل الموسى، القانون الدولي لحقوق الإنسان (المصادر ووسائل الرقابة)، ج 1،
الطبعة الثانية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن، سنة 2005م، ص 158.
(19) د. الشافعي محمد
بشير، المصدر السابق، ص 76.
(20) د. فيصل شطناوي، حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني،
الطبعة الثانية، دار الحامد للنشر، عمّان، الأردن، سنة 2001م، ص 154.
