نَظْرَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ فِي التَّحْكِيمِ الدَّوْلِيِّ وَعُقُودِ الاِمْتِيَازِ الْخَاصَّةِ بالْبِتْرُولِ وَالْغَازِ
قبل
مرحلة التدقيق اللغوي
نظرة تحليلية في التحكيم
الدولي وعقود الامتياز الخاصة للبترول والغاز
لدولة الخليج
المتطلب الثاني:الطبيعة القانونية
للتحكيم في عقود البترول.
لا تختلف عقود البترول عن بقية العقود؛ من ضرورة
توافق إرادة أطرافه بغرض إنشائه وتحديد آثاره، لكن إضافة إلى ذلك لا بد أن يتم
التصديق عليه من قِبَلِ السلطة التشريعية، باعتبار أن هذه الأخيرة تملك الرقابة
على أعمال السلطة التنفيذية ذات الأهمية الحيوية للوطن .
وتعتبر هذه العقود من صنف العقود المُلْزِمة
للجانبين، وترتب التزامات متقابلة بين أطرافه، كما تتسم بطول مدتها على اعتبار أن
عملية البحث والتنقيب والاستغلال تأخذ وقتًا طويلًا، كما تتميز بكونها تتم بين
إحدى الدول المنتجة للبترول أو إحدى مؤسساتها مع إحدى الشركات الأجنبية العامة في
هذا المجال، كما يقع هذا العقد على موارد البترول من حيث استخراجه واستغلاله، أما
من حيث الأوصاف فهي تتشكل في عدة صور .
الإطار القانوني لعقود البترول
مما لا شك فيه أن الإطار القانوني المنظم لعقود
البترول هو عقد الامتياز الذي يمكن توصيفه بأنه عقد يتولى بموجبه صاحب الامتياز
وعلى مسؤوليته إدارة مرفق عام اقتصادي واستغلاله مقابل رسم أو جُعله يسدده للدولة
المضيفة ضمن حدود الشروط والضوابط التي تضمنها الدولة للعقد الذي تبرمه معه.
والعقد الذي تبرمه الدولة مانحة الامتياز مع شخص معنوي هو عقد ذو طبيعة خاصة ومزيج
من عقد نظامي ، يتضمن نصوصًا تتعلق بالسلطة العامة التي لها حق، والآمرة على
مرافقها ومقدراتها، وعقد تداولي يحكم نصوصه ومشتملاته قاعدة "العقد شريعة
المتعاقدين،" وهو بالتالي؛ عمل قانوني مركب؛ نصفه مبنى على نصوص تنظيمية،
والنصف الآخر مبني على نصوص تعاقدية .
فالشروط النظامية هي تلك التي يكون لإدارة
الدولة حق تعديلها في أى وقت، بصرف النظر عن الحق المتولد عن ذلك لصاحب الامتياز،
وَفْقًا لحاجة المرفق العام المعني بما يتوافق مع كيفية وحسن تأدية الخدمة من هذا
المرفق؛ أي أن هذه الشروط أو الأمور التنظيمية التي يتضمنها العقد تتمثل بموضوع
وغاية الامتياز وتنفيذ الشغل العام ومدة وكيفية استرداد الامتياز وتنظيم المرفق
العام وسير العمل فيه ومراقبته في جميع مراحله .
أما الشروط التداولية التعاقدية الخاصة فهي تلك
التي لا تتعلق بكيفية تأدية الخدمة. وهذه الشروط مزدوجة؛ فهي لها توصيف الإداري؛
باعتبار أن الدولة طرف يستهدف النفع العام، ولها توصيف تجاري؛ باعتبار أن الدولة
تضع نفسها في موضع تتساوى فيه مع الأفراد .
وبالنظر لأهمية هذا العقد الذي يولي شخصًا
طبيعيًا أو معنويًا الحلول محل سلطة الدولة في نطاق جغرافي محدد، ولفترة محددة،
ووفقًا لشروط محددة، استثمارَ مردودٍ مرفق عام ، يمكن توصيفه بأنه حكر قانوني لهذا
المرفق، فإنه لا مندوحة من إخضاع صاحب الامتياز الممنوح لقواعد وضوابط مشددة يضع
أطرها نص قانوني تتجسد من خلاله سلطة الدولة على مقدراتها الوطنية.
السلطة التي تمنح الامتياز
عقود البترول في صميم عقود الامتياز باعتبار أن
شروط إنشائه وتنفيذه هي تلك التي ترعى عقود الامتياز وهو عقد يهدف إلى إدارة
استغلال مرفق عام؛ فقد عمدت دساتير بعض البلدان عدم منح أي امتياز لاستغلال أي
مرفق من مرافق الدولة إلا بموجب قانون أو مرسوم؛ لما في ذلك من ضمانة يمكن أن
تتحقق من خلال التقيد بأحكام النصوص التي يتضمنها القانون أو المرسوم.
تكوين العقـد
وإن كانت عقود البترول تعطى بموجب قانون فإن ذلك
لا يتم إلا وَفْقًا لمراحل وأصول وشكليات معينة ودراسات مسبقة تحدد كيفية التنفيذ
والجدوى الاقتصادية من المشروع .
إن عقود البترول تستوجب المرور بمراحل طويلة
تطول أو تقصر، وما يقتضي ذلك من بناء؛ ومِنْ ثمً تشغيل؛ من أجل استرداد قيمة
التوظيفات المالية، وهذا كله يحتم وضع خطط ومراحل واتفاقات مع مقاولين وأجهزة
متخصصة في بعض الأحيان . ورغم أهمية هذه العقود فإن ذلك لم يحل دون إجراء اللازم
باعتبار أن التعامل مع هذه العقود يوجب الكثير من الدراسة والجهد؛ حيث تتم دراستها
كأي مشروع آخر من ناحية الجدوى والتكاليف، ثم يجري تقييم العروض على مرحلتين:
المرحلة الأولى: يتم فيها تقييم الشروط التمويلية والتشغيلية،
وفي هذه المرحلة تتحدد جدوى إنتاجية المشروع بناءً على العَرْض المُقَدًم.
أما المرحلة الثانية: فتشمل دراسة الشروط الفنية ومدى موافقتها
لمواصفات المشروع مع عملية تفضيل الأسعار المعروضة .
وكما تشرف الإدارة على أي مشروع لمراقبته، فهكذا
تنص هذه العقود على إشرافٍ للإدارة المختصة طيلة فترة التشغيل لمراقبة الالتزام
ببنود التشغيل . نهــاية العقــد
كما ان بدء مدة
عقد البترول- الذي هو عقد من عقود الامتياز- تجد منشأها في النصوص القانونية؛ فإن
انتهاء مدة العقد يكون منصوصًا عليه فيه أيضًا؛ بحيث انه عند حلول هذه المدة تتولد
النتائج والحقوق المنصوص عليها في العقد فيما يتعلق بكيفية إنهاء العلاقة .
فعقد البترول يتضمن نصوصًا تُحَدًد كيفية
الإنهاء وكيفية التصفية، غير أن إنهاء العقد بحلول المدة - مهما طالت - لا يحول
دون إمكانية تجديدها إذا رأت الإدارة أنه من الأجدى متابعة تأمين الخدمة عن طريق
المستثمر الذي أظهر جدية ومصداقية في تعامله وفي مطلق الأحوال تكون له الأفضلية فى
هذا الوضع على أن يتم التجديد كما لو كان العقد يتم للمرة الأولى، وهذا شرط يمكن
أن يكون منصوصًا عليه في العقد بحيث تظل الاستمرارية متوفرة بإرادة الإدارة، غير
أنه لو حصل أن الإدارة لم تحسم أمرها وتتخذ خيارها فإنه يحق للمستثمر المُمَوًل
المطالبة بالتعويض اذا استمر بالإشراف على المرفق وتأدية الخدمات العادية كما كانت
عليه قبلًا بحُسن نية .
وفيما يخص تصفية العقد فإن النصوص التي يشتمل
عليها العقد تحدد أطر هذه التصفية ومعاييرها وتحدد الأموال والموجودات التي تؤول
إلى الإدارة عند انقضاء المدة، وما لم يدرج في العقد يبقى من حق الممول المستثمر،
وبصورة عامة فإن الأموال التي يمكن أن تكون مستقلة عن المرفق تبقى من حق الملتزم،
أما تلك التي تعتبر كُلًا لا يتجزأ من المرفق فإنها تؤول إلى الإدارة التي تحتاط
إلى هذا الأمر مسبقًا؛ بحيث تفرض على الممول المستثمر موجبات الصيانة قبل التسليم
حتى أن بعض العقود تتضمن شرط حرية الإدارة بشراء الأموال المنقولة التي تراها
واجبة للاستثمار بعد الاستلام .
اما فيما يخص تصفية الحسابات بين الطرفين؛ فإنها
تتم على أساس المقاصة بين حقوق كلً منهما، وهذه كلها شروط تعاقدية يجري تنفيذها
دون أي عائق في حال صراحة ألنص وعدم قبوله لأي تأويل. إن شروط العقد يفسر بعضها
بعضًا لعلة أن كل شرط يكون له المعنى الذي ينتج من مجمل شروط العقد .
وعلى هذا الأساس وتجنبًا للوقوع في المتاهات فإن
العقود بأكثريتها - إن لم نقل بمجملها - تتضمن نصًا يفرضه الملتزم ضمانة له مفاده
أن تسوية الخلافات التي يمكن أن تطرأ تحل بواسطة التحكيم.
أطراف عقد البترول
أحد أطراف العقد البترولي الدولةُ المنتجةُ التي
تظهر في العقد من خلال الهيئة العامة أو المؤسسة العامة المسؤولة فنًيًا وإداريًّا
بالتعاقد باسم الدولة. أما الطرف الثاني في العقد فهي شركة أجنبية متخصصة، وغالبًا
ما تكتسب الصفة الخاصة عند إبرام العقد 0
وتهدف الدولة المنتِجَة من إبرام عقود الامتياز
الدولي تدعيمَ نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومواكبة َ التطور الصناعي
والتجاري على المستويين الإقليمي والعالمي. أما الشركة الأجنبية الخاصة فتهدف إلى
إمداد دولتها بأهم مصادر الطاقة الطبيعية، والسيطرة على احتياطات من البترول في
الدول المُنتِجَة وتحقيق بذلك أرباحًا مالية باهظة من خلال احتكار أسواق البترول،
وهو ما يدعم في الوقت ذاته الوضع السياسي والاقتصادي للدول التي تتبعها هذه
الشركات0
وأطراف العقد يكتسبون الشخصية المعنوية من
القانون الداخلي للدولة 0
أما الشركة الأجنبية فتكتسب الشخصية المعنوية
الخاصة بها ، وفقًا لمعيار الجنسية المعمول به في الدولة التابعة لها الشركة .
الأطراف المعنوية العامة المختصة بالعقود
البترولية
الدولة الطرف الأول في العقد :
الدولة على قمة الأشخاص المعنوية العامة، وتُمنح
بموجب قانون تشريعي أو قرار جمهوري، الشخصيةَ المعنويةَ العامة تلقائيًّا وبمجرد
أن تتوافر لها مقومات الدولة الثلاث: الشعب، والإقليم، والسلطة (السيادة) 0
إذن الدولة هي المانحة للشخصية المعنوية العامة
للهيئات بموجب قانون أو قرار جمهوري، وهي تخضع لرقابة السلطة المركزية في الدولة
وإشرافها ووصاية 0
وهذه الهيئات ذات الشخصية المعنوية الهدف من
تأسيسها هو تحقيق الاستقلال الفني في إدارة بعض المرافق العامة، وتخضع لرقابة
السلطة المركزية وإشرافها فهي شخص معنوي عام مستقل، قامت لتشارك الدولة في السلطة
العامة، وتتمتع بكافة الامتيازات التي يقررها القانون لها، فيجوز لها إبرام العقود
البترولية 0
وتقوم هذه الشخصية، بإبرام عقود البترول بوصفها
شخصًا معنويًّا عامًّا، وتمارس حقها السيادي على منطقة الامتياز منذ مرحلة التفاوض
حتى نهاية العقد، وتستند الدولة في ذلك على قواعد القانون الدولي العام وقواعد
القانون العام الداخلي والقانون الدستوري والإداري 0
وفي بعض الأنظمة القانونية لا يبرم العقد إلا
بواسطة الملك أو السلطان أو الأمير أو رئيس الجمهورية، باعتبار أن الرئيس الأعلى
هو الحارس الأمين على موارد الدولة الطبيعية .
إذن: العقد البترولي يبرم بين سلطة إدارية عامة
في القانون الداخلي، وشركة أجنبية خاصة، ويترتب على بيان طبيعة الأطراف المتعاقدة
التزام الشخص المعنوي العام المتعاقد باسم الدولة بالاتفاق العقدي، مع الخضوع
للسلطة التشريعية0
إن إنشاء هذه الأجهزة يتم بواسطة السلطة
المركزية، وتمنحها الشخصية المعنوية العامة لتحمل مسؤولية إدارة الثروة البترولية
المملوكة للدولة وفقًا لسياسة الدولة العامة ووفقًا لتوجهاتها الاقتصادية. إذن هي
شخصيات معنوية عامة تشارك الدولة في السلطة العامة، وتتمتع بجميع الامتيازات التي
يقررها القانون الإداري للجهات الإدارية ، ومنها امتيازات نزع الملكية للمنفعة
العامة، وإبرام العقود الإدارية، وتستمدها من القانون الإداري. وأموال هــذه
الأجهــزة تعتبـر أموالًا عامة، وتخضع للحماية الاستثنائية للقانون الإداري
والقانون الجنائي للمال العام ، وتنقضي شخصية المؤسسة بالأداة القانونية نفسها
التي أنشأته (1)0
الاتفاقيات الدولية :
أكدت الاتفاقيات الدولية على اكتساب المشروع
البترولي الطبيعة العامة، من خلال ما تمارسه الأجهزة العامة التابعة للدولة، فقد
نصت على ذلك اتفاقية البنك الدولي للإنشاء والتعمير، الخاصة بتسوية المنازعات
المتعلقة بالاستثمار بين الدول ورعايا الدول الأخرى، وتعرف باتفاقية واشنطن 1965م0
فقد نصت الفقرة الأولى من المادة 25 من اتفاقية
واشنطن 1965م على أنه يختص المركز بنظر جميع المنازعات القانونية الناشئة بين
الدول المتعاقدة، أو هيئة عامة، أو جهاز تابع للدولة تقوم الدولة بتحديده أمام
المركز.
كما أكدت الفقرة على أن المركز- عند عرض النزاع
الناشئ عن عقد استثمار أمامه - يمد اختصاصه لكافة المنازعات التي تظهر فيها سلطة
الدولة وأجهزتها التابعة أيًّا كان الشكل القانوني للجهة العامة المتعاقدة؛ سواء
هيئة ، أو مؤسسة ، أو شركة، طالما كان الهدف من إنشاء هذه المؤسسة هو تحقيق
المصلحة العامة والخضوع لرقابة الدولة وإشراف 0
فقد حسمت المادة 25 من الاتفاقية مسألة َ تبعية
الأجهزة البترولية للدولة، التي يتم تحديد صفتها القانونية بواسطة النظام القانوني
العام الداخلي.
الشركات الأجنبية الطرف الثاني لعقد البترول
عرضنا في الفصل الأول للشركات البترولية
الأجنبية المحتكرة لصناعة البترول في قارات العالم وخصوصًا في منطقة الشرق الأوسط
المليئة بالشركات الأجنبية التابعة للدول الصناعية الكبرى، والصراع بين الشركات
على الحصول على أكبر قدر من الناتج البترولي في الدول الغنية الإنتاج 0
وتخضع الشركات الأجنبية العاملة في مجال صناعة
البترول لمعيار الجنسية، والقاعدة العامة
هي خضوع هذه الشركات للنظام القانوني للدولة التي تتبعها. وقد حرصت الدول الصناعية
الكبرى - وعلى رأسها الولايات المتحدة ، وإنجلترا، وفرنسا - على منح شركاتها
البترولية العاملة خارج حدودها الصفة القانونية الخاصة0
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) د/ محمد فؤاد
مهنا ، حق الدولة والأفراد إزاء المرافق العامة والمشروعات العامة، 1970م ص 71 وما
بعدها .
وانظر أيضًا د/
كمال وصفي ، التكيف القانوني للمشروعات العامة .
ولعل الدافع لذلك هو افتقاد هذه الشركات لمبدأ
السيادة خارج حدودها الإقليمية، على أساس أن المشروعات البترولية التي تمارسها هذه
الشركات تتم أنشطتها وأعمالها على إقليم الدولة المنتجة التي تمارس سلطتها
وسيادتها على أراضيها، كافة ومنها منطقة الامتياز البترولي؛ لذلك لا تتمتع الشركات
الأجنبية بسيادة الدولة الأجنبية عند ممارسة أنشطتها 0
فالحرص على تفادي الصدام بين حكومات الدول
المنتجة للبترول ، والشركات الأجنبية وحماية رؤوس الأموال الأجنبية ، وأهمية
البترول كأهم السلع الإستراتيجية عالمياً ، دفع الدول الصناعية الكبرى لمنح
شركاتها البترولية الصفة القانونية الخاصة ، للبعد عن الأوضاع السياسية الدولية
واستقلال الشركات عن أنظمتها السياسية وهو ما منح الشركات الأجنبية مزايا
وامتيازات يصعب الحصول عليها في حالة اكتساب هذه الشركات الشخصية المعنوية العامة
، وهو ما جعل البعد الاقتصادي هو المحرك الأساسي لعمل هذه الشركات ، حتى لا تتعرض
الدول لخسائر فادحة في حالة التعاقد باسم دولتها فالصفة الخاصة تحقق فوائد مالية
ضخمة للشركة ودولتها التي تتبعها 0
أيضًا اكتساب الشركة الأجنبية الصفة العامة يعني
أن العقد المبرم بين الطرفين يعتبر عقدًا دوليًّا، وهو ما يجعل المنازعات الناشئة
عن العقد منازعات دولية تخضع لقواعد وأحكام القانون الدولي العام، وهو ما يهدد
مصالح الدول الصناعية الكبرى في فرض سيطرتها على أهم مصادر الطاقة الصناعية؛
فالشركات البترولية الأجنبية تعمل في ظل الأبعاد الاقتصادية، وليس لها علاقة
بالأبعاد السياسية فيما بين الدول، فاكتساب الشركات الأجنبية الصفة القانونية
الخاصة يجعل من الصعب اعتبارها من أشخاص القانون الدولي العام 0
فالشركات الأجنبية البترولية تكتسب الشخصية
المعنوية الخاصة، ولا يتصور في صناعة البترول التعاقد بين أشخاص طبيعيه في عمليات
البترول المركبة ومنها عمليات البحث والاستكشاف والتنقيب والإنتاج؛ نظرًا لأن هذه
العمليات تحتاج إلى نفقات مالية ضخمة، وضرورة توافر تكنولوجيا الصناعة المتقدمة
التي تحتاج لهياكل تنظيمية متخصصة، ومن الاستثناءات النادرة في مجال الصناعة العقد
المبرم بين الحكومة السعودية ورجل الأعمال اليوناني أوناسيس، وترتب على العقد
نزاعًا بين الحكومة السعودية وشركة أرامكو الأمريكية، وعندما عرض النزاع على هيئة
التحكيم أكدت أن العقد المبرم محل النزاع عقد عام 0
واستقر الفقه على اعتبار الجنسية هو الضابط
المميز للشركات الأجنبية كأفضل معيار يرتب مسؤولية تبادلية بين المتعاقدين؛ فالأصل
في الشخص الأجنبي- طبيعي أو معنوي - هو عدم تمتعه بالصفة الوطنية؛ أي كل من لا
يحمل جنسيتها وفقًا لأحكام قانون الجنسية الوطنية؛ فالجنسية بالنسبة للأجنبي تعني
التبعية القانونية والسياسية، تحددها الدولة؛ فتخلع بها الصفة الوطنية على الفرد
(1) 0
إذن معيار الجنسية هو المحدد للشركات الأجنبية؛
فأي شركة بترولية تتعاقد مع دولة منتجة للبترول ولا تحمل جنسيتها تعتبر أجنبية
عنها (2) 0
ونصت المادة 25 من اتفاقية البنك الدولي للإنشاء
والتعمير (واشنطن1965م) على أن اختصاص المركز يشمل المنازعات القانونية بين الدول
المتعاقدة وبين شخص متعاقــد من رعايا دول أخـــرى، ويتصل النزاع على نحو مباشر
بالاستثمار (3)0
والمقصود برعايا الدول الأخرى الواردة بنص
المادة 25 من الاتفاقية الذي حددته الفقرة الثانية منها هي :
أ – كل شخص طبيعي يتمتع بجنسية دولة أخرى غير
الدولة الطرف في النزاع0
ب- كل شخص معنوي يحوز جنسية دولة أخرى غير
الدولة الطرف في النزاع0
وأقرت المحكمة الدائمة للعدل الدولي ذلك؛ حيث إن
رابطة الجنسية هي وحدها التي تعطي الدولة الحق في الحماية الدبلوماسية إذا ما أصيب
أحد رعاياها بضرر تتسبب فيه دولة أجنبية (4) 0
بعد
مرحلة التدقيق اللغوي
نَظْرَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ فِي التَّحْكِيمِ
الدَّوْلِيِّ وَعُقُودِ الاِمْتِيَازِ الْخَاصَّةِ بالْبِتْرُولِ وَالْغَازِ
(لِدِوَلِ الْخَلِيجِ)
الطَّبِيعَةُ الْقَانُونِيَّةُ للتَّحْكِيمِ فِي عُقُودِ البِتْرُولِ
لا
تختلف عقود البترول عن بقية العقود؛ من حيث ضرورة توافق إرادة أطرافه بغرض إنشائه وتحديد آثاره، لكن إضافة إلى
ذلك لا بد أن يتم التصديق عليه من قِبَلِ السلطة التشريعية، باعتبار أن هذه
الأخيرة تملك الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية ذات الأهمية الحيوية للوطن.
وتُعتبر
هذه العقود من صنف العقود المُلْزِمة للجانبين، وتُرَتِب التزامات متقابلة بين
أطرافه، كما تتسم بطول مدتها على اعتبار أن عملية البحث والتنقيب والاستغلال تأخذ
وقتًا طويلًا، كما تتميز بكونها تتم بين إحدى الدول المنتجة للبترول، أو إحدى
مؤسساتها مع إحدى الشركات الأجنبية العامة في هذا المجال، كما يقع هذا العقد على
موارد البترول من حيث استخراجه واستغلاله، أما من حيث الأوصاف فهي تتشكل في عدة
صور.
الإطار القانوني لعقود
البترول
مما
لا شك فيه أن الإطار القانوني المُنَظِّم لعقود البترول هو عقد الامتياز، الذي
يمكن توصيفه بأنه: عقد يتولى بموجبه صاحب الامتياز وعلى مسؤوليته إدارةُ مرفق عام
اقتصادي، واستغلاله مقابل رسم أو جعله يسدَّد للدولة المضيفة ضمن حدود الشروط
والضوابط، التي تضمنها الدولة للعقد الذي تبرمه معه.
والعقد
الذي تبرمه الدولة مانحة الامتياز مع شخص معنوي هو عقد ذو طبيعة خاصة، ومزيج من
عقد نظامي، يتضمن نصوصًا تتعلق بالسلطة العامة التي لها حق، والآمرة على مرافقها
ومقدراتها، وعقد تداولي يحكم نصوصه ومشتملاته قاعدة "العقد شريعة
المتعاقدين"، وهو بالتالي؛ عمل قانوني مركب؛ نصفه مبني على نصوص تنظيمية،
والنصف الآخر مبني على نصوص تعاقدية.
فالشروط
النظامية هي تلك التي يكون لإدارة الدولة حق تعديلها في أي وقت، بصرف النظر عن
الحق المتولد عن ذلك لصاحب الامتياز، وفقًا لحاجة المرفق العام المَعْنِي بما
يتوافق مع كيفية وحسن تأدية الخدمة من هذا المرفق؛ أي أن هذه الشروط أو الأمور
التنظيمية، التي يتضمنها العقد؛ تتمثل بموضوع وغاية الامتياز، وتنفيذ الشغل العام،
ومدة وكيفية استرداد الامتياز، وتنظيم المرفق العام، وسير العمل فيه، ومراقبته في
جميع مراحله.
أما
الشروط التداولية التعاقدية الخاصة؛ فهي تلك التي لا تتعلق بكيفية تأدية الخدمة، وهذه
الشروط مزدوجة؛ فهي لها توصيف إداري؛ باعتبار أن الدولة طرف يستهدف النفع العام،
ولها توصيف تجاري؛ باعتبار أن الدولة تضع نفسها في موضع تتساوى فيه مع الأفراد.
وبالنظر
لأهمية هذا العقد الذي يولي شخصًا طبيعيًّا أو معنويًّا الحلول محل سلطة الدولة في
نطاق جغرافي محدد، ولفترة محددة، ووفقًا لشروط محددة؛ استثمار مردود مرفق عام،
يمكن توصيفه بأنه حكر قانوني لهذا المرفق، فإنه لا مندوحة من إخضاع صاحب الامتياز
الممنوح لقواعد وضوابط مشددة يضع أطرها نص قانوني، تتجسد من خلاله سلطة الدولة على
مقدراتها الوطنية.
السلطة التي تمنح
الامتياز
عقود البترول في صميم
عقود الامتياز باعتبار أن شروط إنشائه وتنفيذه هي تلك التي ترعى عقود الامتياز،
وهو عقد يهدف إلى إدارة استغلال مرفق عام؛ فقد عمدت دساتير بعض البلدان عدم منح أي
امتياز لاستغلال أي مرفق من مرافق الدولة إلا بموجب قانون أو مرسوم؛ لما في ذلك من
ضمانة، يمكن أن تتحقق من خلال التقيد بأحكام النصوص، التي يتضمنها القانون أو
المرسوم.
تكوين العقـد
وإن كانت عقود البترول
تُعطى بموجب قانون؛ فإن ذلك لا يتم إلا وفقًا؛ لمراحل، وأصول، وشكليات معينة،
ودراسات مسبقة تحدد كيفية التنفيذ والجدوى الاقتصادية من المشروع.
كما أنّ عقود البترول
تستوجب المرور بمراحل طويلة تطول أو تقصر، وما يقتضي ذلك من بناء؛ ومِنْ ثَمَّ
تشغيل؛ من أجل استرداد قيمة التوظيفات المالية، وهذا كله يحتم وضع خطط ومراحل
واتفاقات مع مقاولين، وأجهزة متخصصة في بعض الأحيان، ورغم أهمية هذه العقود؛ فإن
ذلك لم يحل دون إجراء اللازم باعتبار أن التعامل مع هذه العقود يوجب الكثير من
الدراسة والجهد؛ حيث تتم دراستها كأي مشروع آخر من ناحية الجدوى والتكاليف، ثم يُجرى
تقييم العروض على مرحلتين:
المرحلة الأولى: يتم فيها تقييم
الشروط التمويلية والتشغيلية، وفي هذه المرحلة تتحدد جدوى إنتاجية المشروع بناءً
على العَرْض المُقَدَّم.
أما المرحلة الثانية: فتشمل دراسة الشروط
الفنية، ومدى موافقتها لمواصفات المشروع مع عملية تفضيل الأسعار المعروضة.
كما
تشرف الإدارة على أي مشروع؛ لمراقبته، وهكذا تنص هذه العقود على إشراف للإدارة
المختصة طيلة فترة التشغيل؛ لمراقبة الالتزام ببنود التشغيل.
نهاية العقد
إن بدء مدة عقد البترول -الذي هو عقد من عقود الامتياز-
تجد منشأها في النصوص القانونية؛ فإن انتهاء مدة العقد يكون منصوصًا عليه فيه
أيضًا؛ بحيث أنه عند حلول هذه المدة تتولد النتائج والحقوق المنصوص عليها في العقد،
فيما يتعلق بكيفية إنهاء العلاقة.
وكذلك، فعقد البترول يتضمن نصوصًا تُحَدد كيفية الإنهاء
وكيفية التصفية، غير أن إنهاء العقد بحلول المدة -مهما طالت- لا يَحُول دون
إمكانية تجديدها إذا رأت الإدارة؛ أنه من الأجدى متابعة تأمين الخدمة عن طريق
المستثمر، الذي أظهر جدية ومصداقية في تعامله، وفي مطلق الأحوال تكون له الأفضلية
في هذا الوضع على أن يتم التجديد كما لو كان العقد يتم للمرة الأولى، وهذا شرط
يمكن أن يكون منصوصًا عليه في العقد؛ بحيث تظل الاستمرارية متوفرة بإرادة الإدارة،
غير أنه لو حصل أن الإدارة لم تحسم أمرها، وتتخذ خيارها؛ فإنه يحق للمستثمر المُمِّول
المطالبة بالتعويض؛ إِذَا استمر بالإشراف على المرفق وتأدية الخدمات العادية، كما
كانت عليه قبلًا بحُسن نية.
وفيما يخص تصفية العقد فإن النصوص التي يشتمل عليها
العقد؛ تحدد أطر هذه التصفية، ومعاييرها، وتحدد الأموال، والموجودات، التي تؤول
إلى الإدارة عند انقضاء المدة، وما لم يُدرج في العقد يبقى من حق المُمِّول
المستثمر؛ وبصورة عامة، فإن الأموال التي يمكن أن تكون مستقلة عن المرفق تبقى من
حق الملتزم، أما تلك التي تَعتبر كُلًا لا يتجزأ من المرفق؛ فإنها تؤول إلى
الإدارة التي تحتاط إلى هذا الأمر مسبقًا؛ بحيث تفرض على المُمِّول المستثمر
موجبات الصيانة قبل التسليم، حتى أن بعض العقود تتضمن شرط حرية الإدارة بشراء
الأموال المنقولة، التي تراها واجبة للاستثمار بعد الاستلام.
أما فيما يخص تصفية الحسابات بين الطرفين؛ فإنها تتم على
أساس المقاصة بين حقوق كلًا منهما، وهذه كلها شروط تعاقدية يجري تنفيذها دون أي
عائق في حال صراحة النص وعدم قبوله لأي تأويل، كما أن شروط العقد يفسر بعضها بعضًا؛
لعلة أن كل شرط يكون له المعنى، الذي ينتج من مجمل شروط العقد، وعلى هذا الأساس
وتجنبًا للوقوع في المتاهات؛ فإن العقود بأكثريتها -إن لم نقل بمجملها- تتضمن نصًا
يفرضه الملتزم؛ ضمانة له، ومفاده أن تسوية الخلافات التي يمكن أن تطرأ؛ تُحل
بواسطة التحكيم.
أطراف عقد البترول
يُعدُّ أحد أطراف العقد
البترولي الدولةُ المنتجةُ، والتي تظهر في العقد من خلال الهيئة العامة، أو
المؤسسة العامة المسؤولة فنيًّا وإداريًّا بالتعاقد باسم الدولة، أما الطرف الثاني
في العقد؛ فهي شركة أجنبية متخصصة، وغالبًا ما تكتسب الصفة الخاصة عند إبرام العقد.
وتهدف الدولة
المُنتِجَة من إبرام عقود الامتياز الدولي تدعيمَ نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي،
ومواكبةِ التطور الصناعي والتجاري على المستويين الإقليمي والعالمي، أما
الشركة الأجنبية الخاصة؛ فتهدف إلى إمداد دولتها بأهم مصادر الطاقة الطبيعية،
والسيطرة على احتياطات من البترول في الدول المُنتِجَة، وتحقيق بذلك أرباحًا مالية
باهظة من خلال احتكار أسواق البترول؛ وهو ما يدعم في الوقت ذاته الوضع السياسي
والاقتصادي للدول التي تتبعها هذه الشركات، وأطراف العقد يكتسبون الشخصية المعنوية
من القانون الداخلي للدولة، والشركة الأجنبية تكتسب الشخصية المعنوية الخاصة بها؛
وذلك طبقًا لمعيار الجنسية المعمول به في الدولة التابعة لها الشركة.
الأطراف المعنوية العامة المختصة بالعقود
البترولية
الدولة الطرف الأول في
العقد:
الدولة على قمة الأشخاص
المعنوية العامة، وتُمنح بموجب قانون تشريعي أو قرار جمهوري الشخصيةَ المعنويةَ
العامة تلقائيًّا، وبمجرد أن تتوافر لها مقومات الدولة الثلاث: الشعب، والإقليم،
والسلطة (السيادة).
إذًا فالدولة هي
المانحة للشخصية المعنوية العامة للهيئات، بموجب قانون أو قرار جمهوري، كما أنها
تخضع لرقابة السلطة المركزية في الدولة وإشرافها ووصايتها.
والهدف من تأسيس هذه
الهيئات ذات الشخصية المعنوية؛ هو تحقيق الاستقلال الفني في إدارة بعض المرافق
العامة، كما أنها تخضع لرقابة السلطة المركزية وإشرافها؛ فهي شخص معنوي عام مستقل،
قامت لتشارك الدولة في السلطة العامة، وتتمتع بكافة الامتيازات، التي يقررها
القانون لها؛ فيجوز لها إبرام العقود البترولية.
وتقوم هذه الشخصية
بإبرام عقود البترول بوصفها شخصًا معنويًّا عامًّا، وتمارس حقها السيادي على منطقة
الامتياز منذ مرحلة التفاوض حتى نهاية العقد، وتستند الدولة في ذلك؛ على قواعد
القانون الدولي العام، وقواعد القانون العام الداخلي، والقانون الدستوري والإداري.
وفي بعض الأنظمة
القانونية لا يُبرم العقد؛ إلا بواسطة الملك، أو السلطان، أو الأمير، أو رئيس
الجمهورية، باعتبار أن الرئيس الأعلى هو الحارس الأمين على موارد الدولة الطبيعية.
إذًا فالعقد البترولي يُبرم
بين سلطة إدارية عامة في القانون الداخلي، وشركة أجنبية خاصة، ويترتب على بيان
طبيعة الأطراف المتعاقدة؛ التزام الشخص المعنوي العام المتعاقد باسم الدولة
بالاتفاق العقدي، مع الخضوع للسلطة التشريعية.
كما أن إنشاء هذه
الأجهزة يتم بواسطة السلطة المركزية، وتمنحها الشخصية المعنوية العامة لتحمل مسؤولية
إدارة الثروة البترولية المملوكة للدولة وفقًا لسياسة الدولة العامة، ووفقًا
لتوجهاتها الاقتصادية.
إذًا فهي شخصيات معنوية
عامة تشارك الدولة في السلطة العامة، وتتمتع بجميع الامتيازات، التي يقررها
القانون الإداري للجهات الإدارية؛ ومنها امتيازات نزع الملكية للمنفعة العامة،
وإبرام العقود الإدارية، التي تستمدها من القانون الإداري.
وأموال هــذه الأجهــزة
تُعتبر أموالًا عامة، وتخضع للحماية الاستثنائية للقانون الإداري، والقانون
الجنائي للمال العام، كما تنقضي شخصية المؤسسة بالأداة القانونية نفسها التي
أنشأته ([1]).
الاتفاقيات الدولية
أكدت الاتفاقيات
الدولية على اكتساب المشروع البترولي الطبيعة العامة، من خلال ما تمارسه الأجهزة
العامة التابعة للدولة؛ فقد نصت على ذلك اتفاقية البنك الدولي للإنشاء والتعمير،
الخاصة بتسوية المنازعات المتعلقة بالاستثمار بين الدول ورعايا الدول الأخرى، وتُعرف
باتفاقية واشنطن 1965م.
فقد نصت الفقرة الأولى
من المادة (25) من اتفاقية واشنطن 1965م على أنه: يختص المركز بنظر جميع المنازعات
القانونية الناشئة بين الدول المتعاقدة، أو هيئة عامة، أو جهاز تابع للدولة؛ تقوم
الدولة بتحديده أمام المركز.
كما أكدت الفقرة على أن
المركز -عند عرض النزاع الناشئ عن عقد استثمار أمامه- يمد اختصاصه لكافة المنازعات،
التي تظهر فيها سلطة الدولة وأجهزتها التابعة، أيًّا كان الشكل القانوني للجهة
العامة المتعاقدة؛ سواء كانت هيئة، أو مؤسسة، أو شركة، طالما كان الهدف من إنشاء
هذه المؤسسة؛ هو تحقيق المصلحة العامة، والخضوع لرقابة الدولة وإشرافها.
فقد حسمت المادة (25)
من الاتفاقية مسألةَ تبعية الأجهزة البترولية للدولة، التي يتم تحديد صفتها
القانونية بواسطة النظام القانوني العام الداخلي.
الشركات الأجنبية الطرف الثاني لعقد البترول
تعرضنا في المتطلب
الأول للشركات البترولية الأجنبية المحتكرة لصناعة البترول في قارات العالم؛
وخصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، المليئة بالشركات الأجنبية التابعة للدول الصناعية
الكبرى، والصراع بين الشركات القائم على الحصول على أكبر قدر من الناتج البترولي
في الدول الغنية من حيث الإنتاج.
وتخضع الشركات الأجنبية
العاملة في مجال صناعة البترول لمعيار الجنسية، والقاعدة العامة هي خضوع هذه الشركات
للنظام القانوني للدولة التي تتبعها، وقد حرصت الدول الصناعية الكبرى -وعلى رأسها
الولايات المتحدة، وإنجلترا، وفرنسا- على منح شركاتها البترولية العاملة خارج
حدودها الصفة القانونية الخاصة.
ولعل الدافع لذلك هو
افتقاد هذه الشركات لمبدأ السيادة خارج حدودها الإقليمية، على أساس أن المشروعات
البترولية التي تمارسها هذه الشركات تتم أنشطتها وأعمالها على إقليم الدولة
المنتجة، التي تمارس سلطتها وسيادتها على أراضيها كافة، ومنها منطقة الامتياز
البترولي؛ لذلك لا تتمتع الشركات الأجنبية بسيادة الدولة الأجنبية عند ممارسة أنشطتها.
فالحرص على تفادي
الصدام بين حكومات الدول المنتجة للبترول والشركات الأجنبية، وحماية رؤوس الأموال
الأجنبية، وأهمية البترول كأهم السلع الإستراتيجية عالميًّا؛ دفع الدول الصناعية
الكبرى لمنح شركاتها البترولية الصفة القانونية الخاصة؛ للبعد عن الأوضاع السياسية
الدولية، واستقلال الشركات عن أنظمتها السياسية؛ وهو ما منح الشركات الأجنبية
مزايا وامتيازات يصعب الحصول عليها في حالة اكتساب هذه الشركات الشخصية المعنوية
العامة، وهو ما جعل البعد الاقتصادي هو المحرك الأساسي لعمل هذه الشركات، حتى لا
تتعرض الدول لخسائر فادحة في حالة التعاقد باسم دولتها؛ فالصفة الخاصة تحقق فوائد
مالية ضخمة للشركة، ولدولتها التي تتبعها.
أيضًا، اكتساب الشركة
الأجنبية الصفة العامة يعني أن العقد المبرم بين الطرفين يُعتبر عقدًا دوليًّا،
وهو ما يجعل المنازعات الناشئة عن العقد منازعات دولية، تخضع لقواعد وأحكام
القانون الدولي العام؛ وهو ما يهدد مصالح الدول الصناعية الكبرى في فرض سيطرتها
على أهم مصادر الطاقة الصناعية؛ فالشركات البترولية الأجنبية تعمل في ظل الأبعاد
الاقتصادية، وليس لها علاقة بالأبعاد السياسية فيما بين الدول؛ فاكتساب الشركات
الأجنبية الصفة القانونية الخاصة يجعل من الصعب اعتبارها من أشخاص القانون الدولي
العام.
وتكتسب الشركات
الأجنبية البترولية الشخصية المعنوية الخاصة، كما أنه لا يتصور في صناعة البترول
التعاقد بين أشخاص طبيعية في عمليات البترول المركبة؛ ومنها عمليات البحث،
والاستكشاف، والتنقيب، والإنتاج؛ نظرًا لأن هذه العمليات تحتاج إلى؛ نفقات مالية
ضخمة، وضرورة توافر تكنولوجيا الصناعة المتقدمة، التي تحتاج لهياكل تنظيمية متخصصة.
ومن الاستثناءات
النادرة في مجال الصناعة العقد المبرم بين الحكومة السعودية ورجل الأعمال اليوناني
أوناسيس، وترتب على العقد؛ نزاعًا بين الحكومة السعودية وشركة أرامكو الأمريكية،
وعندما عُرض النزاع على هيئة التحكيم أكدت أن العقد المبرم محل النزاع، هو عقد عام.
واستقر الفقه على
اعتبار الجنسية هو الضابط المميز للشركات الأجنبية، كأفضل معيار يرتب مسؤولية تبادلية
بين المتعاقدين؛ فالأصل في الشخص الأجنبي -طبيعي أو معنوي- هو عدم تمتعه بالصفة
الوطنية؛ أي كل من لا يحمل جنسيتها وفقًا لأحكام قانون الجنسية الوطنية؛ فالجنسية
بالنسبة للأجنبي تعني التبعية القانونية والسياسية، وتحددها الدولة؛ فتخلع بها
الصفة الوطنية على الفرد؛ إذًا فمعيار الجنسية هو المحدد للشركات الأجنبية؛ فأي
شركة بترولية تتعاقد مع دولة منتجة للبترول ولا تحمل جنسيتها تُعتبر أجنبية عنها.
ونصت المادة (25) من
اتفاقية البنك الدولي للإنشاء والتعمير (واشنطن1965م) على أن اختصاص المركز يشمل
المنازعات القانونية بين الدول المتعاقدة، وبين شخص متعاقــد من رعايا دول
أخـــرى، ويتصل النزاع على نحو مباشر بالاستثمار.
والمقصود برعايا
الدول الأخرى الواردة بنص المادة (25) من الاتفاقية، الذي حددته الفقرة
الثانية منها، هي:
أ-
كل شخص طبيعي، يتمتع
بجنسية دولة أخرى، غير الدولة الطرف في النزاع.
ب- كل شخص معنوي، يحوز جنسية دولة أخرى، غير الدولة الطرف في النزاع.
وأقرت المحكمة الدائمة
للعدل الدولي ذلك؛ حيث إن رابطة الجنسية، هي وحدها التي تعطي الدولة الحق في
الحماية الدبلوماسية، إذا ما أصيب أحد رعاياها بضرر؛ تتسبب فيه دولة أجنبية.
